ويستعين علماء القرآن بالسياق اللّغوي في تعيين وجود حذف ، أو ما يعود عليه الإضمار في تحديد النسخ أو عدمه ، وهو كثير ، ومنه ما ذكر في نسخ الآية
" وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ "
« 1 » . فذهب ذاهبون إلى أنّ الهاء راجعة على الفداء ، وقدّروه " وعلى الذين يطيقون الفداء إذا كرهوا الصوم فدية طعام مساكين " فنسخ ذلك بما بعده . وبنى آخرون على أنّ الهاء تعود على الفداء أيضا ، والآية غير منسوخة ، وقالوا :
نزلت الرخصة في الشيخ الفاني والعجوز الهرمة ؛ فالمعنى - على هذا القول - وعلى الذي يطيقون الفداء ولا يطيقون الصوم فدية طعام مساكين ، وقال ابن الأنباري ، وإنّما رجعت الهاء على الفداء ، وإن لم يتقدّم ذكره ، كما رجعت الهاء في قوله :
" فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ "
على غير مذكورين ، يريد أنّ الخطاب يدلّ على صاحب الإضمار " « 2 » . وهنا تؤدّي الضمائر وصيغة الخطاب دورا أساسا في تحديد حدوث النسخ ، وفي توضيح معنى الآية . ويطالعنا نصّ نفيس يربط موضوع النسخ بسياق الحال عند مكّي بن أبي طالب خلال حديثه عن النسخ في آية الخمر التي سلف القول حولها يقول : " وسورة البقرة مدنيّة ، فلا يعترض على ما فيها بما نزل في الأنعام المكّية في قوله :
" قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ "
« 3 » ؛ لأنّ هذا تحريم نزل بمكّة والخمر نزل تحريمها بالمدينة " « 4 » ، وظروف المدينة غير ظروف مكّة ، وسياق الحال مختلف وما يلزم المسلمين هناك قد لا يلزمهم هنا ، ومن ثمّ فالآية تقرأ في سياقها . ما لم يكن في الخطاب دليل على غير ذلك كما يشير علماء القرآن في موضوع الناسخ كثيرا .
ويؤدّي موضوع الخطاب دورا آخر في هذه المسألة ، وهو عنصر رئيس من عناصر الرسالة اللّغوية ، وأمثلته عديدة ، ومنها ما ذكر في قوله تعالى :
" وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، آية ( 184 ) .
( 2 ) مكيّ بن أبي طالب ، الإيضاح في لناسخ القرآن ومنسوخه ، ص 154 .
( 3 ) سورة الأنعام ، الآية ( 145 ) .
( 4 ) مكيّ بن أبي طالب ، الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه ، ص 166 .