وتشير سورة الفاتحة إلى كلّ قسم منها على سبيل التمهيد والافتتاح ، وبذلك تكتسب مكانتها بوصفها ( أمّ الكتاب ) . وهذه العلوم هي التوحيد والتذكير والأحكام ، فالتوحيد تدخل فيه معرفة المخلوقات ، ومعرفة الخالق بأسمائه وصفاته وأفعاله ، والتذكير ومنه الوعد والوعيد ، والجنّة والنار ، وتصفية الظاهر والباطن ، والأحكام ومنها التكاليف ، وتبيّن المنافع والمضار ، والأمر والنهي والندب . والتوحيد يأتي من أوّل سورة الفاتحة إلى قوله :
" يَوْمِ الدِّينِ "
، وأمّا الأحكام ف
" إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ "
، وأمّا التذكير فمن قوله ( اهدنا ) إلى آخرها « 1 » وقد أدّى انحصار أقسام القرآن في هذه العلوم الثلاثة إلى كشف العلاقات بين الفاتحة والقرآن كلّه .
ولكنّ العلاقات العامّة ليست بديلا عن العلاقات الخاصّة التي توجد بين سورة الفاتحة ، وسورة البقرة ، والعلاقة الخاصّة أقرب إلى أن تكون علاقة أسلوبيّة لغويّة ، في حين تكون العلاقات العامّة علاقات في المضمون والمحتوى ، هذه العلاقة الأسلوبية اللّغوية تتمثّل في أنّ سورة الفاتحة تنتهي بالدعاء
" اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ . . .
وَلَا الضَّالِّينَ "
وهذا الدعاء يجد الإجابة عليه في أوّل سورة البقرة
" ألم ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ "
ويكون النصّ على ذلك متّصلا ، " كأنّهم لمّا سألوا الهداية إلى الصراط المستقيم قيل لهم :
ذلك الصراط الذي سألتم الهداية إليه هو الكتاب " « 2 » . و " قال بعض الأئمة : وسورة الفاتحة تضمّنت الإقرار بالربوبيّة والالتجاء إليه في دين الإسلام ، والصيانة عن دين اليهوديّة والنّصرانية ، وسورة البقرة تضمّنت قواعد الدين ، وآل عمران مكمّلة لمقصودها " « 3 » .
وإذا كان الارتباط بين سورة الفاتحة وسورة البقرة ارتباطا أسلوبيّا ، فإنّ العلاقة بين سورة البقرة وسورة آل عمران أشبه بالعلاقة بين الدليل وشبهات الدليل من حيث إنّ
هامش
( 1 ) الزركشي ، البرهان ، 1 / 17 .
( 2 ) السيوطي ، الإتقان ، 1 / 243 .
( 3 ) نفسه .