تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الخطاب القرآني — صفحة 192

مساهمون:

ص١٩٢
سورة البقرة " بمنزلة إقامة الدليل على الحكم ، وذلك لأنّها تضمّنت قواعد الدين ، أمّا سورة آل عمران فكانت بمنزلة الجواب عن شبهات الخصوم " « 1 » . ولهذا " ورد فيها ذكر المتشابه لما تمسّك به النّصارى ، وأوجب الحجّ في آل عمران ، وأمّا في " البقرة " فذكر أنّه مشروع ، وأمر بإتمامه بعد الشروع فيه ، وكان خطاب النّصارى في آل عمران أكثر ، كما أنّ خطاب اليهود في البقرة أكثر ، لأنّ التوراة أصل والإنجيل فرع لها " « 2 » . ولاحظ علماء القرآن كذلك اقتران ذكر المتشابه فيها بظهور الحجّة والبيان ، " فإنّه نزل أوّلها في آخر الأمر لمّا قدم وفد نجران النّصارى ، وآخرها يتعلّق بيوم أحد ، والنّصارى تمسّكوا بالمتشابه ، فأجيبوا عن شبههم بالبيان ، ويوم أحد تمسّك الكفّار بالقتال فقوبلوا بالبيان ، وبه يعلم الجواب لمن تتّبع المتشابه من القول والفعل " « 3 » . وبهذا يكون علماء القرآن قد استصحبوا المقام الاجتماعي واستعانوا به في إبراز هذا الربط وهذا التناسب . وإذا كان هذا الترابط بين سورة ( البقرة ) و ( آل عمران ) ترابطا يعتمد على نوع من التأويل يكاد يقصر محتوى سورة ( آل عمران ) على الآية السابعة منها ، فإنّ علينا أن نلاحظ كيف اعتمد المفسّر في هذا التأويل على ( سبب النزول ) أو ( المقام ) أوّلا ، ثمّ كيف أعاد تفسير آخر السورة اعتمادا على سبب نزوله أيضا - موقعة أحد - ليربطه بمفهوم ( التشابه ) ، وقد أدّى هذا التأويل إلى اختصار محتوى سورة ( آل عمران ) في الجواب على ( شبهات الخصوم ) وذلك لتكون مكمّلة لسورة البقرة المتضمّنة ( إقامة الدليل على الحكم ) وهذا الحكم متضمّن في سورة الفاتحة ويشتمل على " الإقرار بالربوبية والالتجاء إليه في دين الإسلام ، والصيانة عن دين اليهودية والنّصرانية " « 4 » . فالأحكام التي دلت عليها سورة الفاتحة ، تتضمّن سورة البقرة الدليل عليها ، وتتضمن سورة ( آل عمران ) الجواب على
هامش
( 1 ) الإتقان ، 1 / 243 . ( 2 ) الزركشي ، البرهان ، 1 / 261 . ( 3 ) نفسه . ( 4 ) نفسه ، 1 / 260 .