من علم العربيّة والفقه أنّ هذه الآية منسوخة بالاستثناء بعدها ، ولو كان لهم نصيب من ذلك لعلموا أنّ الاستثناء ليس بنسخ ، وإنّما هو إخراج بعض ما شمله اللفظ " « 1 » . ويدعم ابن الجوزي رأيه هذا من خلال العالم الواقعي في أنّ الناسخ والمنسوخ لا يمكن العمل بأحدهما إلّا بترك العمل بالآخر ، وفي هذه الآية يمكن العمل بالمستثنى والمستثنى منه ، ويستند كذلك إلى هدف النصّ ، فالجمل " إذا دخلها الاستثناء يثبت أنّ المستثنى لم يكن مرادا دخوله في الجملة السابقة ، وما لا يكون مرادا باللّفظ الأوّل لا يدخل عليه النسخ " « 2 » .
وفي قوله تعالى :
" فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ "
« 3 » . اختلف المفسّرون في نسخها ، وبنوا هذا الاختلاف على اختلافهم في غرض الآية ( الهدف ) وذلك على قولين :
الأوّل : أنّه الانتهاء عن الكفر . والثاني : عن قتال المسلمين لا عن الكفر ، فعلى القول الأول الآية محكمة ، والثاني يختلف في المعنى فمن المفسّرين من يقول : ( فإنّ اللّه غفور رحيم ) إذ لم يأمركم بقتالهم في الحرم ، بل يخرجون منه على ما ذكرنا في الآية التي قبلها فلا يكون نسخ أيضا . ومنهم من يقول : المعنى اعفوا عنهم وارحموهم فيكون لفظ الآية خبر ومعناه الأمر بالرحمة لهم والعفو عنهم ، وهذا منسوخ بآية السيف « 4 » . فهنا أدّى غرض الخطاب دورا أساسيّا في تحديد المنسوخ من عدمه ومن أمثلة الاعتماد على غرض النصّ في تحديد النسخ كذلك . آية الخمر
" يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ "
. فقد اختلف العلماء في هذه الآية ، فقال قوم " إنّها تضمّنت ذمّ الخمر لا تحريمها ، فإنّ كان الذم ، فهي منسوخة بقوله تعالى : " فاجتنبوه " وإذا كان الهدف منها التحريم فلا نسخ فيها « 5 » .
هامش
( 1 ) ابن الجوزي ، نواسخ القرآن ، ص 55 .
( 2 ) نفسه ، ص 55 .
( 3 ) سورة البقرة ، الآية ( 192 ) .
( 4 ) ابن الجوزي ، نواسخ القرآن ، ص 74 .
( 5 ) نفسه ، ص 82 .