وفي الآية الكريمة "
وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً "
« 1 » ، يستعين ابن الجوزي أيضا بعنصر " المخاطب " بهذه الآية لنفي النسخ ، فقد اختلف المفسّرون في المخاطبين بهذا على نوعين :
الأوّل أنّهم اليهود والثاني أنّهم المشركون ، وإذا كان المخاطبون بهذه الآية هم المشركون فهي منسوخة بآية السيف « 9 » . قال ابن الجوزي : " وهذا قول بعيد لأنّ لفظ ( الناس ) عام ؛ فتخصيصه بالكفّار يفتقر إلى دليل ، ولا دليل هاهنا ، ثم إنّ إنذار الكفّار من الحسنى " « 2 » .
إنّ ابن الجوزي قد اعتمد على عنصر المخاطب مقرونا بالسياق اللغوي للنصّ ( التعميم والتخصيص ) للوصول إلى نفي النسخ . ونجد قريبا من هذا ما جاء في نسخ الآية
" فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ "
« 3 » . فقد قيل إنّ اللّه أمر بالعفو والصفح عن أهل الكتاب قبل أن يأمر بقتالهم ، ثم نسخ العفو والصفح بقوله :
" قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ "
« 4 » . ونفى ابن الجوزي النسخ فيها قال : " لأنّه لم يأمر بالعفو مطلقا ، وأنّما أمر به إلى غاية ، وبيّن الغاية بقوله :
" حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ "
وما بعد الغاية يكون حكمه مخالفا لما قبلها ، وما هذا سبيله لا يكون أحدهما ناسخا للآخر ، بل يكون الأوّل قد انقضت مدّته بغايته والآخر محتاجا إلى حكم آخر " « 5 » . فإنّ الحكم استند هنا على أحوال المخاطبين واستجابتهم من عدمها في وقت معلوم وفي ظرف محدّد ، واستعان كذلك بالسياق اللّغوي من حيث ( الإطلاق والتقييد ) في تحديد النسخ .
وفي الآية ( 159 ) من سورة البقرة
" إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى "
إلى قوله
" اللَّاعِنُونَ "
، قال ابن الجوزي " قد زعم قوم من القراء الذين قلّ حظهم
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، الآية ( 83 ) .
( 9 ) آية السيف هي الآية ( 36 ) من سورة التوبة ، وهي قوله تعالى :( قاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً ).
( 2 ) ابن الجوزي ، نواسخ القرآن ، ص 44 .
( 3 ) سورة البقرة ، الآية ( 109 ) .
( 4 ) سورة التوبة ، الآية ( 29 ) .
( 5 ) ابن الجوزي ، نواسخ القرآن ، ص 46 .