4 - الناسخ والمنسوخ في سورة البقرة
تعرّفنا على معنى النسخ في موضع سابق من هذا الكتاب ، ونعرض هنا لمعالجة اثنين من علماء القرآن « 9 » لمسألة الناسخ والمنسوخ ، والجوانب التي استعانوا فيها بأدوات الدرس السياقي لتمييز الآيات التي وقع فيها نسخ من تلك التي لم يقع بها . وهذان العالمان هما ابن الجوزي ومكّي بن أبي طالب ، وذلك من خلال شواهد سورة البقرة ، ومن هذه الشواهد قوله تعالى :
" إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ "
« 1 » . قيل إنّها نسخت بقوله تعالى :
" وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ "
« 2 » . ويرى ابن الجوزي أنّ هذا النسخ لا يصحّ لوجهين : " أمّا الوجه الأوّل فإنّه إن أشير بهذه الآية لمن كان تابعا لنبيّه قبل بعثة النبيّ الآخر فأولئك على الصواب ، وإن أشير إلى من كان في زمن نبيّنا محمّد فإنّ من ضرورة من لم يبدّل دينه ولم يحرّف أن يؤمن بمحمّد - صلّى اللّه عليه وسلّم - يتبعه ، وأمّا الثّاني فإنّ هذه الآية خبر ، والأخبار لا يدخلها النسخ " « 3 » . وإذن فقد اتكّأ ابن الجوزي على ثلاثة من عناصر الرسالة اللّغوية لينفي وقوع النسخ ، وأمّا العنصر الأوّل فهو المخاطب ( من كان قبل البعثة أو بعدها ) ، والثاني عنصر الأسلوب والصياغة اللّغوية ، والثالث هو زمن الخطاب ، وكلّها عناصر متّصلة بالسياق .
هامش
( 9 ) كتب الناسخ والمنسوخ تذكر الروايات نفسها في الغالب ، وتم اختيار المصدرين أعلاه لوضوح اللغة والمعالجة فيهما لهذا المبحث من مباحث علوم القرآن .
( 1 ) سورة البقرة ، الآية 62 .
( 2 ) سورة آل عمران ، الآية ( 85 ) .
( 3 ) ابن الجوزي : الحافظ جمال الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي القرشي البغدادي ، نواسخ القرآن ، ط 1 ، دار الكتب العلمية ، بيروت / لبنان ، 1985 ، ص 43 .