فأنزل اللّه تعالى في كتابه يردّ علينا ما هممنا به ، فقال : "
وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ "
في الإقامة التي أردنا أن نقيم ، وفي الأموال فنصلحها ، فأمرنا بالغزو فما زال أبو أيّوب غازيا في سبيل اللّه حتى قبضه اللّه عز وجلّ " « 1 » . إنّ المسلمين في هذه الحادثة قد استدعوا نصّا ليحاكي سياقا جديدا ، وهو عكس ما أثرناه في النقطة ( 1 - 3 - 5 ) التي ذكرنا فيها استدعاء النصّ لسياقات سابقة له بسبب تشابه السياقات . ولكنّ استدعاءهم لهذا النصّ لم يكن في محلّه إذ إنّ عدم فهمهم للسياق الذي زامن النصّ جعل قياسهم خاطئا ، بل هو مغاير تماما لمقصود النصّ ، وفي تعبير أبي أيوب - رضي اللّه عنه " على غير التأويل " فالنصّ يدعو إلى البذل والجهاد وهم فهموا منه عدم التضحية وحتى الجبن باسم الابتعاد عن التهلكة ، وهو ما جاء سبب النزول ليوضحه .
ومنه كذلك قوله :
" فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ "
« 2 » ، فإنّا لو تركنا مدلول اللفظ كما هو لاقتضى أنّ المصلّي لا يجب عليه استقبال القبلة سفرا أو حضرا ، وهو خلاف الإجماع ، فلمّا عرف سبب نزولها « 3 » ، علم أنّها في نافلة السفر ، أو فيمن صلّى بالاجتهاد وبان له الخطأ على اختلاف الروايات في ذلك .
إنّ هذه الأمثلة لتؤكّد ما ذهبنا إليه من أنّه لا يمكن فهم النصّ بمعزل عن سياقه ، وإنّ هذا السياق لا يشرح النصّ فحسب ، بل ينفي التناقض الذي يترتّب على القراءة الظاهرية للنص ، كما أنّه يفسّر أيضا طبيعة الصياغة اللّغوية التي جاء النصّ عليها دون غيرها .
هامش
( 1 ) الواحدي ، أسباب النزول ، ص 32 .
( 2 ) سورة البقرة ، الآية ( 115 ) .
( 3 ) الواحدي ، أسباب النزول ، ص 32 .