تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الخطاب القرآني — صفحة 179

مساهمون:

ص١٧٩

( 2 - 9 ) أسباب النزول تكشف عن آليّة النصّ في معالجة الواقع الاجتماعي

يأتي النصّ ليخاطب جمهورا من الناس في إطار ثقافتهم ، وفي إطار منظومة حياتهم ، ليصنع بعد ذلك ثقافة جديدة ، ومنظومة جديدة ، ويعالج الواقع الاجتماعي لأولئك المخاطبين معالجة تتّفق وخفايا هذا الواقع . فيترفّق حينا ، ويشتدّ حينا ، ويباشر حينا ، ويتدرّج حينا آخر ، ويعمّم حينا ، ويخصّص حينا آخر ، ويأتي الأمر مقتضبا أحيانا ، ومفصّلا أحيانا أخرى . إنّ ( أسباب النزول ) تكشف عن سرّ هذه المعالجات جميعا ، ولعلّ جميع روايات النزول تصلح أن تكون مثلا على هذه النقطة من البحث ، ولكنّنا سنختار هنا معالجة النصّ القرآني لمسألة ( مال اليتامى ) وآية ( الإنفاق من الطيّبات ) ؛ فأمّا مسألة ( مال اليتامى ) فهو قوله تعالى :
" وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ "
« 1 » . فتقرأ في سبب نزولها قول سعيد بن جبير : ( لمّا نزلت
" إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً "
، عزلوا أموالهم ، فنزلت
" قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ ، وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ "
فخلطوا أموالهم بأموالهم ) « 2 » . إنّ هذا التدرّج في التشريع ، مع تشديد الخطاب في الآيات الأولى ، ثم إباحة خلط أموال اليتامى بأموال كافليهم هو لأجل حفظ حقوق اليتيم . ولمّا تمّ الاطمئنان إلى سلامة ذلك جاء التخفيف بعد تركّز أهميّة التقوى في التعامل مع أموال الأيتام ، ورفعا للحرج عن الأوصياء والكافلين ، إذ توضّح رواية ابن عباس أنّ بعض أولئك الكفلاء لمّا نزلت الآية ( ولا تقربوا مال اليتيم إلّا بالتي هي أحسن ) سارع فعزل طعام اليتيم من طعامه ، وشرابه من شرابه ، وجعل يفضل الشيء من طعامه فيجلس له حتى يأكله أو يفسد ، واشتدّ ذلك عليهم
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، الآية 220 . ( 2 ) الواحدي ، أسباب النزول ، ص 47 .