( 2 - 8 ) أسباب النزول تضيء خفايا النصّ
إذا كنّا قد أشرنا في أماكن سابقة إلى دور لأسباب النزول في إضاءات إضافية للنّصوص القرآنية ، فإنّ بعض الآيات الكريمة لا يمكن قراءتها وفهمها فهما دقيقا صحيحا إلّا في ضوء معرفة سبب نزولها ، لا بسبب صعوبة ألفاظها ، وإنّما بسبب ما يمكن أن يترتّب على الفهم الحرفي المباشر لهذه الألفاظ من تناقض مع طبيعة المنهج الإسلامي . والأمثلة من سورة البقرة متعدّدة ، وكلّها تؤذن بالقول إنّ ( أسباب النزول ) أو معرفة السياق المقامي الذي رافق النصّ يبدو من أبرز آليّات الدخول لفهم هذا النصّ ، وهو صورة أخرى بارزة من صور العلاقة بين النصّ والسياق .
ومن ذلك ما يمكن ان يتبادر إلى الذهن من استغراب حين نقرأ الآية الكريمة
" يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا وَاسْمَعُوا وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ "
« 1 » . فنتساءل : وما الفرق بين " راعنا " و " انظرنا " ؟ ، ومن ثمّ فما سبب منع استخدام الأولى ، وإباحة استخدام الثانية ؟ وما علاقة ذلك بقوله :
" وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ "
؟ ويزول الاستغراب تماما حين نقرأ سبب النزول ، أو حين نعرف السياق المقامي المرافق لهذا الجزء من النصّ ، فعن ابن عبّاس في رواية عطاء " أنّ العرب كانوا يتكلّمون بها ( راعنا ) فلما سمعتهم اليهود يقولونها للنبيّ - صلّى اللّه عليه وسلّم - أعجبهم ذلك ، وكان ( راعنا ) « 9 » في كلام اليهود سبّا قبيحا ، فقالوا : إنّا كنّا نسبّ محمّدا سرّا ، فالآن أعلنوا
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، الآية ( 104 ) .
( 9 ) أصلها في العربية ( رعن ) ، والأرعن : الأهوج في منطقة المسترخي . والرعونة : الحمق والاسترخاء ، وقوله تعالى :" لا تَقُولُوا راعِنا "قيل هي كلمة كانوا يذهبون بها إلى سبّ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، اشتقوه من الرعونة ، قال ثعلب : إنما نهى اللّه تعالى عن ذلك لأن اليهود كانت تقول للنبي صلى اللّه عليه وسلم راعنا أو راعونا ، وهو من كلامهم سب ، وقال ابن سيده : وعندي أن في لغة اليهود ( راعونا ) على هذه الصيغة يريدون الرعونة أو الأرعن ، وقد قرأ الحسن لا تقولوا راعنا بالتنوين قال ثعلب : معناه لا تقولوا كذبا وسخريا وحمقا ، وأما الكلمة التي كان يستخدمها المؤمنون فهي ( راعنا ) من ( رعى ) بمعنى الرعاية -