خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ "
« 1 » . والآية السابقة التي تتحدّث عن تضاعف الصدقة وأجرها العظيم . " كمثل حبّة أنبتت سبع سنابل . . " ثمّ الآيات التي تتحدّث عن إتمام الإنفاق من غير منّ ولا أذى ، وهو من كمال الصدقة ، إنّ سبب النزول الذي مرّ بنا في موضوع الإنفاق يرينا أنّ هدف التربية القرآنية ليس الحديث عن القمّة السامقة ، وضرورة الارتقاء إليها ، بل هو يعالج الضعف الإنساني كذلك ، وكيفيّة التعامل معه ، وتحفيز لكوامن الشحن والاستثارة في هذا الكائن الإنساني الذي يحيط به الضعف من كلّ جانب . إنّ أسباب النزول إذن تمدّنا بروافد عديدة تسهم كثيرا في تحليل النصّ . فهي تصف السياق المقامي للنّص ، وتصف طبيعة المخاطبين ووقائع أحوالهم ، وتكشف عن هدف النصّ ، وأثره ، وتكشف عن آليّاته في الخطاب والتغيير ، وهو ما يحتاج إليه الباحث والمفسّر والمحلّل الاجتماعي واللغوي الذي يتعامل مع النصّ من وجهته الاجتماعيّة بل العامّة .
3 - المخاطبون :
حين درس العلماء المكّي والمدني من القرآن وجدناهم يصنّفون ذلك باعتبارات عديدة ومنها مراعاة أحوال المخاطبين ، ومن ذلك اعتبارهم النصّ مكيّا إذا وقع خطابا لأهل مكّة ، ومدنيّا إذا وقع خطابا لأهل المدينة ، وعليه يحمل قول من قال : " إنّ ما صدّر في القرآن بلفظ " يا أيّها الناس " فهو مكّي ، وما صدّر فيه بلفظ " يا أيها الذين آمنوا " فهو مدني ، لأنّ الكفر كان غالبا على أهل مكّة فخوطبوا بيا أيّها الناس ، وان كان غيرهم داخلا فيهم ، ولأنّ الإيمان كان غالبا على أهل المدينة فخوطبوا ب " يا أيّها الذين آمنوا " ، وان كان غيرهم داخلا فيهم أيضا ، وألحق بعضهم صيغة " يا بني آدم " بصيغة " يا أيها الناس " « 2 » .
وهذا التقسيم بحسب المخاطب مع مراعاة أثر ذلك في طبيعة النصّ ولغته ، طور متقدّم من أطوار الربط بين النصّ والسياق لدى أصحاب علوم القرآن . وسنجد الانعكاسات
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، الآية ( 274 ) .
( 2 ) الزرقاني ، مناهل العرفان ، ص : 193 .