تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الخطاب القرآني — صفحة 180

مساهمون:

ص١٨٠
فذكروا ذلك لرسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - فأنزل اللّه عزّ وجل " يسألونك . . . " « 1 » . وهذا يشرح لنا آليّات التغيير التي اتّبعها النصّ في ذلك المجتمع ، والتي يمكن القياس عليها أو الاستئناس بها عند إصدار الأحكام على الحالات المغايرة أو المشابهة . وأمّا آية الإنفاق من الطيّبات ، فهي قوله تعالى :
" يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ "
« 2 » . فيروي جابر أنّ النبيّ - صلّى اللّه عليه وسلّم - " أمر بزكاة الفطر بصاع من تمر فجاء رجل بتمر رديء فنزل القرآن بالآية " « 3 » . وعن البراء قال : نزلت هذه الآية في الأنصار كانت تخرج إذا كان جذاذ النخل من حيطانها أقناء من التمر والبسر ، فيعلقّونها على حبل بين أسطوانتين في مسجد رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - فيأكل منه فقراء المهاجرين ، وكان الرجل يعمد فيخرج قنو الحشف ، وهو يظن أنّه جائز عنه في كثرة ما يوضع من الأقناء ، فنزل فيمن فعل ذلك " ولا تيمّموا الخبيث منه تنفقون " يعني القنو الذي فيه حشف ، ولو أهدي إليكم ما قبلتموه " « 4 » . إنّ هذه الرواية تبرز قيمة الإنفاق في سبيل اللّه من جانب ، ومن جانب آخر فإنّها تريد لهذا الإنفاق أن يكون على شاكلة بعينها ، يأخذ صورة مثلي من الانتقاء والاختيار والتجديد لمادّة الإنفاق ، وهو ما يمكن فهمه فهما سديدا في ضوء ملاحظة الطباع الإنسانيّة التي تتجلّى في هذه الرواية وفي سواها ، وتقدّر الضعف الإنساني وترتقي به إلى مراتب عليا في الإنفاق والاستعلاء . بل تصل بهم إلى المرتبة السامقة حيث تأتي الآيات التالية لتتحدّث عن إبداء الصدقات أو إخفائها ، ففي قوله تعالى
" الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا
هامش
( 1 ) الواحدي ، أسباب النزول ، ص 38 . ( 2 ) سورة البقرة ، الآية ( 267 ) . ( 3 ) الواحدي ، أسباب النزول ، ص 48 . ( 4 ) نفسه ، ص 48 .