طالت المدّة عبدا من دون اللّه ، فكان أهل الجاهليّة إذا طافوا بينهما مسحوا الوثنين ، فلمّا جاء الإسلام وكسّرت الأصنام كره المسلمون الطواف لأجل الصنمين فأنزل اللّه تعالى هذه الآية " « 1 » .
إنّ هذا ( السبب ) خير شاهد على النصّ الذي لا يمكن فهمه بمعزل عن سياقه الاجتماعي الذي نزل فيه ، وإلّا فسيقرأ قراءة مغايرة لما يراد منه ، وهو ممّا يمكن أن يشكّل لبسا لدى القارئ المعاصر كما سبّب لبسا للقارئ في تلك العصور الأولى ، على نحو ما رأينا في سؤال عمرو بن الحسين لابن عمر . ويكشف فضلا عن ذلك عن آليّات النصّ في معالجة هذا الموضوع الذي نزل ليعالج واقعة بعينها . وانظر في مثالنا قوله تعالى
" فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما "
فهناك محذوف في النصّ هو ما يتعلّق بوجود الصنمين ، فالجناح متعلّق بوجودهما وليس بالطواف مطلقا .
ومن الأمثلة البارزة كذلك على حدوث مثل هذا اللّبس لدى القدامى فضلا عن المحدثين الآية الكريمة :
" وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ "
« 2 » . فيروي الحكم بن عمران هذه المسألة حين يقول : " كنّا بالقسطنطنية ، وعلى أهل مصر عقبة بن عامر الجهني صاحب رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - وعلى أهل الشام فضالة بن عبيد صاحب رسول اللّه فخرج من المدينة صفّ عظيم من الروم ، وصففنا لهم صفّا عظيما من المسلمين ، فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم ، ثم خرج إلينا مقبلا ، فصاح الناس فقالوا : سبحان اللّه ( ألقى بيديه إلى التهلكة ) . فقام أبو أيوب الأنصاري صاحب رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - فقال : " أيّها الناس إنّكم تتأوّلون هذه الآية على غير التأويل ، وإنّما أنزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار ، إنّا لمّا أعزّ اللّه تعالى دينه وكثر ناصروه ، قلنا بعضنا لبعض سرّا من رسول اللّه : إنّ أموالنا قد ضاعت ، فلو أنّا أقمنا فيها ، وأصلحنا ما ضاع منها ،
هامش
( 1 ) الواحدي ، أسباب النزول ، ص 25 .
( 2 ) سورة البقرة ، الآية ( 195 ) .