تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الخطاب القرآني — صفحة 172

مساهمون:

ص١٧٢
للوهلة الأولى . خاصّة في السّياق اللّغوي الذي ورد فيه . وثانيا يكشف لنا عن أسلوب النصّ القرآني في تغيير سلوكات المخاطبين من خلال شرح طبيعة الواقع الاجتماعي السائد ، وكيف تصدّى النصّ لتغييره مع أنّه واقع مستحكم ، يأخذ طابع العرف والعادة ، بدليل أنّ الرجل حين دخل من قبل الباب تعرّض ( للتعيير ) وهي رفض اجتماعي لسلوكه فجاء النصّ ليظهر أنّ سلوكه كان أقرب لروح الشرع والإسلام وأقرب للتقوى ، والتقوى وتحقيقها هي هدف النصّ ، كما أنّ التقوى هي هدف آيات الصيام من قبل ، وللتقوى وجوه عديدة نقرؤها من خلال أسباب النزول . ومن أمثلته كذلك ما ورد في سبب الآية :
" فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ "
« 1 » . فعن كعب بن عجرة قال : " فيّ أنزلت هذه الآية ، أتيت رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - فقال " ادنه فدنوت مرّتين أو ثلاثا ، فقال : أيؤذيك هوامك « 9 » ؟ قال ابن عون : وأحسبه قال نعم ، فأمرني بصيام أو صدقة أو نسك ما تيسّر " « 2 » . في سبب النزول لهذه الآية استثناء أو تخفيف في الحكم . والواقع الاجتماعي الذي يعرضه هذا السبب يوضح غرض هذا التخفيف . فهذه الآيات الكريمة تتحدّث عن واقع اجتماعي معيّن وتبغي تغييره في تفاصيله المختلفة ، في صيامه ، وحجّه ، وعباداته ، وعاداته ، وأفكاره ، وتوقّعاته ، وحسبنا هذه الأمثلة للدلالة على المناحي المختلفة التي نرى غرض الخطاب ماثلا فيها ، ممّا يضيء النصّ إضاءات كثيرة . أمّا عن أثر هذا الهدف في الصياغة اللغوية للنصّ القرآني فمحلّه في الفصل الثالث من هذا الكتاب .
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، الآية ( 187 ) . ( 9 ) الهوام : ما هام في الرأس وانتشر من " قمل " أو نحوه . ( 2 ) الواحدي : أسباب النزول ، ص : 26 .