( 2 - 6 ) أسباب النزول وهدف النصّ :
جاء النصّ القرآني " سورة البقرة " ليعالج واقعا اجتماعيّا معيّنا ، جاء ليحدث تغييرا شاملا في هذا الواقع ، وجاء ليغيّر المفاهيم أو ليصحّحها أحيانا ، ويزرع مكان ذلك مفاهيم جديدة نابعة من جوهر الرسالة الكريمة . وتكشف أسباب النزول عن هدف النصّ وآليّاته ، في تغيير الواقع الاجتماعي ، والهدف كما نعلم من أبرز العناصر التي تنبّهت لها اللسانيات الاجتماعية في تحليل الرسالة اللّغويّة ، فقد يكون الهدف هو التأثير ، أو التغيير ، أو إجابة تساؤل ، أو توضيح . . . الخ . ويتشكّل النصّ موافقا لهذا الهدف متفاعلا معه .
وأبرز أمثلة ذلك آيات تحويل القبلة ، وما ورد فيها من أسباب نزول ، أوردنا بعضها سابقا ، ويرد بعضها الآخر في ملاحق الرسالة . وتصف هذه الأسباب حادثة التحويل بالتفاصيل الدقيقة ، وكيف كانت أمنية رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - في تغيير القبلة ، نظرا لسخرية اليهود ومع ذلك لم تتنزّل آيات التحويل إلّا بعد فترة زمنية أرادها اللّه اختبارا للمؤمنين واستجابتهم للوحي ، وأيضا تسفيها لليهود ثمّ كيف كان أثر ذلك على المؤمنين قبل التحويل وبعده ، وهو ما لن نكون قادرين على الإحاطة به لو قرأنا الآية
" قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها "
فلن نفهم لما ذا يتقلّب وجه النبيّ ، ولن نفهم رضاه عن قبلة دون غيرها مع أنّ النصّ يقول
" فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ "
إنّ هدف النصّ ماثل أشد المثول في سبب النزول . ومن هنا يصبح الواقع الاجتماعي مدخلا من مداخل قراءة النصّ باعتباره يزوّدك بمفتاح رئيسي هو مفتاح " هدف النصّ " .
ومن أمثلة ذلك الآية :
" وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً "
« 1 » ، نزلت في اليهود حيث قالوا :
( عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ )
، وفي نصارى نجران حيث قالوا
( الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ )
، وفي مشركي العرب قالوا : " الملائكة بنات اللّه " « 2 » . فهدف الآية هنا دحض هذه المقولات والعودة بالقوم
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، الآية ( 116 ) .
( 2 ) الواحدي ، أسباب النزول ، ص : 21 .