تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الخطاب القرآني — صفحة 167

مساهمون:

ص١٦٧
ليصوّر ذلك تصويرا عميقا " كما يعرفون أبناءهم " والكشف عن طبائع المخاطبين عبر النصّ وحده قد لا يصل بالوصف إلى التشخيص والتدقيق ، فالخطاب القرآني يتّصف بالعموم كما ذكرنا ليبقى النصّ قابلا للقراءة في عدد لامتناه من الحالات والشخوص . والشواهد في هذا الباب كثيرة ، وبعضها يتعلّق بطبيعة المخاطب الأوّل وهو رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - أو المؤمنين بالرسالة ، أو المجاهدين لها ، أو بطبيعة أعداء الرسالة وعلى رأسهم اليهود والمنافقون .

( 2 - 5 ) النصّ يستدعي وقائع سابقة لها صلة بالواقع الاجتماعي المزامن له

وهو ما يمكن أن نطلق عليه تشابه السياقات مما يستدعي استحضارها من خلال الحديث عن النصّ ، ومن ذلك قوله تعالى :
" أَ فَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ "
« 1 » قال ابن عبّاس ومقاتل : نزلت في السبعين الذين اختارهم موسى ليذهبوا معه إلى اللّه تعالى ، فلمّا ذهبوا معه سمعوا كلام اللّه تعالى ، وهو يأمر وينهى ، ثم رجعوا إلى قومهم ، فأمّا الصادقون فأدّوا ما سمعوا ، وقالت طائفة منهم : سمعنا اللّه من لفظ كلامه يقول : إن استطعتم أن تفعلوا هذه الأشياء فافعلوا وإن شئتم فلا تفعلوا ولا بأس " « 2 » . فالآيات تخاطب به الجماعة المسلمة في عهد رسول اللّه محذّرة إيّاها من حسن الظن باليهود ، بل ومجرّد التفكير في إمكانيّة إيمانهم ، ثم يستحضر النصّ واقعة سابقة هي صنع أولئك اليهود مع نبيّهم موسى عليه السلام . وجاء سبب النزول ليوضح هذه الواقعة . وكذلك نجد في قوله تعالى
" وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا "
« 3 » قال ابن عبّاس : " كانت يهود خيبر تقاتل غطفان ، فكلّما التقوا هزمت يهود خيبر ، فعاذت
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، الآية ( 75 ) . ( 2 ) الواحدي ، أسباب النزول ، ص 15 . ( 3 ) سورة البقرة ، الآية ( 89 ) .