اليهود بهذا الدعاء ، وقالت : اللّهم إنّا نسألك بحقّ النّبي الأميّ الذي وعدتنا أن تخرجه لنا في آخر الزمان ، إلّا نصرتنا عليهم ، قال : فكانوا إذا التقوا دعوا بهذا الدعاء ، فهزموا غطفان ، فلمّا بعث النبيّ - صلّى اللّه عليه وسلّم - كفروا به ، فأنزل اللّه تعالى
" وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا "
أي بك يا محمّد إلى قوله :
" فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ "
« 1 » . إنّ هذه الحادثة سابقة لبعث - النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم - وفي النصّ خطاب مباشر للجماعة المسلمة في زمن محدّد بعد الهجرة ، ولكنّ الحديث عن إمكانية إيمان اليهود ثم مراوغتهم استدعى استحضار هذه الواقعة .
وقال السدّي : " كانت العرب تمرّ بيهود فتلقى اليهود منهم أذى ، وكانت اليهود تجد نعت محمّد في التوراة أنّه يبعثه اللّه فيقاتلون معه العرب ، فلمّا جاءهم محمّد - صلّى اللّه عليه وسلّم - كفروا به حسدا ، وقالوا إنّما كانت الرسل من بني إسرائيل فما بال هذا من بني إسماعيل ؟ " « 2 » . إنّ بعض ملامح الواقع الاجتماعي الذي جاء النصّ ليعالجه لا يمكن أن تتّضح إلّا بذكر الجذور التاريخيّة التي أفرزتها ، وهو ما أطلقنا عليه " تداعي السياقات " ولكنّ النصّ لا يعالج في هذه الحالة الوقائع السابقة ، وإنّما يبني عليها ويوضح بها ، ومن خلالها يعالج الواقع المزامن له . وتكون وظيفة استحضار السياقات المولّدة للسياق المقامي الحالي هي توضيح ملابسات الواقع الاجتماعي ، وتعضيد مجيء النصّ على هذه الشاكلة بعينها ، وعلى هذا الأسلوب دون غيره إن كان استفهاما أو زجرا أو ترغيبا أو ترهيبا . وهي استجاشة للمخاطب في هذا الخطاب ، ليستجيب أكثر فهي أداة تأثير واستجاشة في هذا الخطاب ، لتحفيز المخاطبين على الاستجابة الكاملة .
ومن هذا أيضا ذكر قصص الأنبياء السابقين الذين صادفوا بعض الحوادث المشابهة لما عاينه الرسول الكريم وأصحابه من واقع ، ومنه ذكر قصّة إبراهيم في هذه السورة :
" وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى . . . "
« 3 » .
" وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ
هامش
( 1 ) الواحدي ، أسباب النزول ، ص 15 .
( 2 ) نفسه ، ص : 15 .
( 3 ) سورة البقرة ، آية 260 .