تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الخطاب القرآني — صفحة 158

مساهمون:

ص١٥٨
وإذن فالزمن الخاصّ للآيات الكريمة ( النصّ ) تحدّد وفقا للمعايير التالية : الحدث ( الهجرة ) واختيرت الهجرة نظرا لضخامتها وعظيم تأثيرها باعتبارها نقطة تحوّل محوريّة في تاريخ المخاطبين بهذا النصّ الكريم ، ونحن اليوم نؤرخ بالأحداث الكبيرة باعتبار هول تأثيرها في الحياة والشخوص كقولنا : خلال الحرب العالميّة الأولى أو الثانية ، أو في أيّام الزلزال الكبير ، أو في ذكرى النكبة ، أو غيرها من المصطلحات الزمانيّة المرتبطة بأحداثها . والمعيار الثاني هو الوقت الحقيقي للنزول ( نهارا أو ليلا ) صيفا أو شتاء وحتّى تحديده بالساعة أو الشهر أو السنة . ومن أمثلته آيات تحديد القبلة فقد نزلت في السنة الثانية من الهجرة في رجب ما بين الظهر والعصر « 1 » ، ومنه آية الصيام « 2 » نزلت في السنة الثانية في شعبان . والآية ( 196 ) من سورة البقرة نزلت سنة ست في ذي القعدة ، والآية ( 217 ) من سورة البقرة نزلت في سريّة عبد اللّه بن جحش سنة اثنتين في رجب « 3 » . والمعيار الثالث : هو ترتيب النزول ؛ فهناك ترتيب للنزول وآخر للتلاوة ، وهذه المعايير معا تشكّل نوافذ مختلفة للنظر . فالتأريخ بالحدث يعني رصد التحوّلات في ظرف الحال الملامس للنصّ ، وأثره في تحوّلات المخاطبين ، والتأريخ بالوقت يشبه وضع النصّ في لحظة تاريخيّة محدّدة حيّة وفق معاش الشخوص وحركتهم ، ويضع النصّ ضمن حركة الزمان الطبيعيّة ، وأمّا المعيار الثالث فهو ذو طبيعة نصيّة بحتة - إن جاز التعبير - فهو يتعلّق باكتمال النصّ وترتّب مفرداته ، وأثره واضح فيما يشبه أثر مقدّمة النصّ وخاتمته على القارئ وهو ملحظ تنبّه له الدارسون من خلال ترجيحهم لآخر ما نزل في الآية
" وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ "
لمناسبته أن يكون آخر ما يقرأه المسلم في مثل تلك الظروف ، بل يربط بعضهم ذلك النصّ الختامي بمبتدإ التنزيل فسورة العلق التي تعدّ آياتها الأولى أوّل ما نزل تتحدّث عن أصل الخلق والتكوين
( الَّذِي خَلَقَ ، خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ . . . )
والنصّ الختامي يذكر الرجوع
هامش
( 1 ) السيوطي ، التحبير في علم التفسير ، ص 153 . ( 2 ) سورة البقرة ، الآيات ( 182 - 184 ) . ( 3 ) السيوطي ، التحبير في علم التفسير ، ص 154 .