الشخوص وتنقّلهم واستقرارهم ، ونحن نقرأ النصّ قراءة جديدة . ونستحضر الواقع الخاص للنص ضمن قراءة ظروف المكان ، فتنزّل النصّ في المدينة ( مستقرّ الدولة ) يختلف عن تنزّله في الحديبية حيث أجواء الصلح مع قريش ، واستشعار زيارة البلد الذي أخرجوا منه عنوة بعد غياب ، وهكذا . . .
وغنيّ عن القول ما لزمن الخطاب من صلة بإيضاح ملابسات ظروفه المختلفة ، وقد يتناقض حديثنا هنا عن زمن النزول مع الحديث عن اللوح المحفوظ ، وقدم القرآن وغيره ممّا أثاره علماء الإسلام . وقد نوضح موقفنا هنا بالقول إنّ زمن الخطاب هنا قد يأخذ أبعادا ثلاثة : الزمن المطلق ، والزمن العام ، والزمن الخاصّ ؛ فالزمن المطلق ما يتعلّق بهذا القرآن الكريم في جانبه الغيبي ، والزمن العامّ هو ما يتّصل بتفاعل الشخوص مع هذا النصّ في كلّ مكان أو زمان ، وفيه نرى النصّ في زمن تلقّيه لا في زمن نزوله ، والزمن الخاصّ وهو يتّصل بالدلالة التاريخيّة التي ذكرناها في الحديث عن مكان النزول . وهي ما يتّصل بزمن الحدوث ، وأسباب النزول وهذا الزمن الخاصّ رصده أصحاب علوم القرآن ، واهتمّوا به وهو السبب الذي أنشأ في العلوم اللّغوية عند الأصوليّين بحوثا تتعلّق بمقاصد الخطاب . وسورة البقرة يتعلق نزولها بزمن خاص يشغل الفترة التالية مباشرة لحدث الهجرة ، بكل ما رافقه من أحداث تتصل بعلاقات المسلمين باليهود والمنافقين وانشاء الدولة الجديدة .
ومما يتصل بزمن النزول أيضا اعتبار بعض علماء القرآن ( المكّي ) ما نزل قبل الهجرة حتى لو نزل بغير مكّة ، والمدني ما نزل بعد الهجرة حتّى لو نزل في غير المدينة .
وهذا المعيار الزماني يقصد به التنبيه على الظروف التي أحاطت بالمسلمين وبالدعوة الإسلامية آنئذ ، فهم - قبل الهجرة - مستضعفون ، محاصرون ، قلّة ، وبعد الهجرة صارت لهم دولة وأصبحوا أقوياء أعزّة ، كما اختلفت الظروف المحيطة بهم من حيث ظاهرة النفاق ، وعداء اليهود ، وبهذا المعيار تكون سورة البقرة جميعها مدنيّة ، ويدلّنا على
الخطاب القرآني — صفحة 155
مساهمون: خلود العموش
ص١٥٥