وإنّنا لنجد من زاوية رؤية أخرى أنّ الحضارة العربيّة عبر علاقتها العضويّة باللّغة قد تحوّلت هي نفسها من نسق تقول اللّغة فيه ما تقول ، إلى فعل لغوي يقول النّص القرآني فيه كلّ ممكناته الدلاليّة التي لا تتناهى . والاتجاه الثاني الذي يرتهن في وجوده إلى الوجود الاجتماعي للّغة ولقد تجلّى هذا عندهم في النظر إلى الخطاب موزّعا على أنواعه وأجناسه التي يحقّق فيها نفسه وينتج من أجلها دلالاته . فلدينا أولا الخطاب التداولي ممثّلا في الكلام اليومي الاستهلاكي ويضع هذا النوع من الخطاب الدلالة في قلب السياق الاجتماعي ، وذلك لأنّ هدفه يقوم على التواصل . وهو يطلب لكونه أداة تقوم بنقل الأفكار . ولكي يؤدّي رسالته فكرة ودلالة ومضمونا ومعنى محتاج أن يكون مكتسبا لتواضع المرسل والمتلقّي عليه بشكل ضمني وسابق على وجوده ، فالنظام المستخدم فيه يجب أن يخضع إلى معياريّة النظام المتعارف عليه بين المتكلّمين ، أي يجب أن يكون ممّا يقره السياق الاجتماعي ويتعارف عليه . ولدينا ثانيا الخطاب الأدبي ممثّلا بكلّ التراث الفنّي والجمالي ، وهو يقوم على غير ما يقوم عليه الخطاب التداولي وهذا النوع من الخطاب ليضع الدلالة في قلب السياق اللّساني ، لأنّ هدفه لا يقوم على التواصل إلّا بشكل غير مباشر . والكلام فيه غالبا يطلب لذاته . وهو غير محتاج لتواضع تفضيليّ بين المرسل والمتلقّي وحاجته إلى نظامه الخاص وسياقه الخاص أولى ؛ ولذا فالإشارات اللّسانيّة المتضمّنة فيه إذ يلتقطها المتلقّي فهو يتصرّف بها على أنّها إشارات حرّة أو مفتوحة . فإذا أضفنا إلى هذين الخطابين الخطاب القرآني الذي يجمع بينهما تداولا وإبداعا ويتجاوزهما معا في الوقت نفسه إلى هويّة خاصّة به وهو يرتهن في وجوده إلى وجود القرآن نفسه ، وهو يختزل كلّ ما فيه بكلمة واحدة هي التوحيد . هي أصل كلّ دلالة فيه ومنتهى كلّ توليد فيه فإننا نستطيع القول إنّ هذا النّص أنشأ حضارة يمكن أن نسمّيها حضارة النّص كما سمّاها أبو زيد ، وإنّنا يمكن أن نرى في هذا الخطاب : الدلالة التاريخيّة ونقصد بها الدلالة التي ثبّتها المكتوب في النّص وصيّرها إشارة يدلّ بها على سياقه الخارجي . والنصّ بهذا يعدّ حزمة إشاريّة تتّصل دلالاتها بأسباب النزول وزمن الحدوث . ويمثل النظر إلى النّص بهذا المعيار الجانب
الخطاب القرآني — صفحة 143
مساهمون: خلود العموش
ص١٤٣