والقرآن بوصفه كلاما دالّا على ذاته ودالّا على مبدعة ، يضع نفسه في قلب التواصل اللساني ، فعمليّة الكلام في الخطاب القرآني تحتوي على عناصر التواصل الثلاثة :
المتكلّم - الخطاب - المستمع وهو يتضمّن دلالة الكلام على منشئه ، ودلالة الكلام على ذاته ، ودلالة الكلام على متلقيه مع الأخذ بعين الاعتبار جلال المرسل في الخطاب القرآني ، ولذا وجدنا علماء الأصول يتعاملون مع دلالة الخطاب القرآني من مبدأ المطلق والنسبي ، والتام والناقص ، والواسع والمحدود ، والدائم والتاريخي ، والزماني والآني ؛ فالمتكلم هنا هو اللّه وهو المطلق وهو الكامل ، وخطابه يكون على مثاله فهو تام لغة ومطلق دلالة ، وإنّه يكون من أجل هذا دائم التحقّق كلاما في انتسابه إلى قائله ، ولكنّ الكلام إذ يغادر مرسله يكون أيضا على مثال متلقيه . وإنّه لمن أجل هذا يأخذ طابعا غير الطابع الذي يكون عليه مع مرسله في تمامه المطلق . وهذا يتبدّى مثلا في صنيع المفسّرين والفقهاء .
وقد أشار أكثر من ناقد ودارس إلى إشكاليّات القراءة والمنهج في التعامل مع النّص الأدبي ، فيرفض ( محمد منيس ) مثلا أن يعامل النصّ الأدبي كعالم ذرّي مغلق على نفسه « 1 » . وأكّد محمّد رشيد ثابت في دراسته لحديث عيسى بن هشام على ضرورة الانتباه إلى الجذور الاجتماعيّة والتاريخيّة التي أسهمت في إنتاج النصّ ، ويرى أنّ الشكل الأدبي نفسه تمليه الظروف الاجتماعية والتاريخية التي نشأ فيها « 2 » ، وأمّا توفيق الزيدي فيقول : إنّ النّص وإن كان له عالمه الخاص فإنّ بنية هذا العالم مشروطة بالعالم الخارجي ، فالكاتب ليس وحده المؤلف ، بل يشترك معه المجتمع والتاريخ . « 3 » كما يأخذ الأستاذ مالك بن نبي على جهود العلماء المسلمين أنّها لم تحدّد المنهج الاجتماعي الذي تعامل به القرآن مع
هامش
( 1 ) فاضل ثامر ، مدارات نقديّة في إشكاليّة النقد والحداثة والإبداع ، ط 1 ، وزارة الإعلام / بغداد / 1987 ، ص ( 222 - 223 ) .
( 2 ) فاضل ثامر ، اللّغة الثانية ، ط 1 ، المركز الثقافي العربي ، بيروت ، لبنان ، 1994 ، ص : 43 .
( 3 ) توفيق الزيدي ، اللّسانيّات والنقد الحديث ، ط 1 ، تونس ، 1984 ، ص : 148 .