تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الخطاب القرآني — صفحة 142

مساهمون:

ص١٤٢
والعلاقات وأنّ هذا النصّ من خلال تركيبه يقدّم رؤية للعالم تحتاج إلى بحث ينطلق من تحليل مستويات السياق ، وليس من خلال القفز عنها « 1 » .

تعقيب :

ربّما يجدر بنا أنّ نناقش أفكار الكاتبين كلّ على حدة ، وربّما يتقاربان في أكثر من موقع فتصبح المناقشة أكثر ضبطا ، ولكنّهما يفترقان كذلك في مواضع عديدة . وربّما يكون الافتراق الرئيس بينهما أنّ كلا منهما قد صدر عن غاية مختلفة ، ومع ذلك فلن أناقش مقولات الكاتبين بهذه الطريقة ، وإنّما سأعرض وجهة نظري بعد أن عرضت مجمل وجهة نظر كلّ واحد منهما بإيجاز ولكن باستيفاء . إنّ المستقري للبحث الدلالي عند الأصوليّين ليلمح سمات اتّجاهات ثلاثة تتمايز فيما بينها نظريّا ولكنّها تتلازم عمليّا على صعيد البحث والممارسة . فالاتجاه الأوّل يرتهن في وجوده إلى البعد الحضاري ، وذلك لأنّ أثر هذا البعد كان بيّنا في أمرين : الأوّل ويتعلق باللّغة نفسها ، والثاني يتعلّق بالدرس اللغوي ، أمّا الأوّل فقد تجلّى في التطوّر الدلالي الذي أصاب اللّغة ، والثاني وقد تجلّى في جعل الدرس لهذه الظاهرة مرتبطا ضرورة بالنسق الحضاري ذاته ؛ فتطوّر اللّغة دلالة لا يكون إلّا نتيجة لتطوّر استعمالها حضارة . وذلك لأنّ للحضارة وخاصّة الإسلاميّة وجودا يقوم على اللّغة . وهي أيضا دحض لمفاهيم ، وخلق لأخرى بعد أن لم تكن ، وإعادة إبداع لبعضها الثالث في صيغ جديدة ثمّ إنّها انتقال بالإنسان من كائنه الشخصي إلى كائنه النصيّ إن جاز التعبير . فهي فعل تركيبيّ يصل أعمق الأعماق في إحداث الوعي لغة ، وتشكيلي ليطال الظاهرة في إحداث تجليّاتها الماديّة نصّا ، وإنّها بين هذا وذاك لتجعل للمعنى حضورا دائما في حضور وعي الإنسان بالعالم . وضرورة مستمرّة ترافق إعادة تشكيل العالم لنفسه على صور مختلفة ، ومن هنا فقد كان فعلها قدرة خلّاقة تخترق الواقع بكلّ ما فيه لتعيده نشأة أخرى .
هامش
( 1 ) نصر حامد أبو زيد ، النصّ : السلطة الحقيقة ، ص : 107 .
الخطاب القرآني — صفحة 142 | خلود العموش