تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الخطاب القرآني — صفحة 144

مساهمون:

ص١٤٤
الموضوعي الإدراكي منه ، ولكن على مستويات أخرى تظهر تداوليّا ، ولذا فإنّ ذات القارئ المتحوّلة به تتدخّل أيضا في إعطاء تاريخيته معنى مضافا غير المعنى المتّصل بأسباب النزول وزمن الحدوث ، ويمكن أن نرى في هذا الخطاب الدلالة النصيّة ، والنّص القرآني يمتاز عن بقيّة النصوص بفرادة تماسكه وكيفيّة تماسكه ، فهو يقدّم نصوصا متداخلة في إطار السورة الواحدة كما يقدّم نفسه بوصفه نصّا واحدا في إطار السور المتعددّة . ولكنه أيضا يرتدّ إلى بؤرة دلاليّة واحدة هي بؤرة التوحيد . وأمّا بروز معنى ما وتغليبه على آخر ، واختيار عنصر دال وتفضيله على سواه فأمر يختلف من عصر إلى عصر ، لا بحسب التاريخ بوصفه مفهوما تعاقبيا للأحداث ، ولكن بحسب الزمن بوصفه مفهوما آنيّا ملازما للأحداث . وإنّه ليختلف أيضا من قارئ إلى قارئ بسبب الظروف المحيطة ، والقضايا المثارة ، والاهتمامات الذاتيّة ، ومع ذلك فإنّ اختيار عنصر من العناصر الدّالة على وجه من وجوه المعنى والتركيز عليه إنما يتم في إطار النظام القرآني ونسقه وليس على إطلاق الأمر ، ألا وإنّه لنظام قائم في الوعي الباطن للكائن النصّي المتحوّل به . وبسبب هذه الإمكانات في بروز المعنى على اختلاف العصور والأشخاص ؛ فإنّ نصوص بعض الوحدات القرآنية يمكن أن تدخل في نموذجين أو أكثر من نماذج العلاقة ضمن ظرف معين . وهذه القراءة لا تلغي العناصر غير اللّغوية كالتاريخ وأسباب النزول وإنّما تحوّلها إلى عناصر لغويّة بحيث تبدو منتجا دلاليّا من منتجات النّص القرآني ، وذلك لأن اللّغة عندما تغادر نظامها لتدخل في نظام النّص فإنّها لا تبقى أداة ناقلة ، ولكنّها تصبح ذاتا مبدعة لما تقول ، فهي تحوّل العناصر غير اللغويّة لصالح النّص نفسه ، الذي لا يعود معطى تاريخيّا أو ناتجا ثقافيّا ينتمي إلى الماضي ، ولكنّه يؤسّس التاريخ ويؤثّر فيه ، ويصنع الثقافة ويتجاوزها . إنّ دلالة النّص تتجه إلى إقامة علاقات بنيويّة مع المحيط الخارجي ، غير أنّه لا يمكن لعملها أن يفسّر إلّا من داخل النّص نفسه . والقرآن يسمح بنظام التبادل المستمر بين البنية من جهة ، والحدث من جهة أخرى ، وبين اللّغة بوصفها نظاما والكلام بوصفه إنجازا .
الخطاب القرآني — صفحة 144 | خلود العموش