تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الخطاب القرآني — صفحة 139

مساهمون:

ص١٣٩
والمناسبة بين الآيات والسور ، والغموض والوضوح ، والعامّ والخاصّ ، والتفسير والتأويل . وفي الباب الثالث يحاول أبو زيد الكشف عن التحوّل الذي أصاب مفهوم النصّ ووظيفته ، والذي صارت له السيادة في الثقافة العربيّة الإسلاميّة حتّى عصورها الحديثة . مع وقفة خاصّة عند فكر أبي حامد الغزالي ودوره في الكشف عن آليّة التعامل مع الخطاب الديني . وجملة أفكار هذا الكتاب أنّ الوحي عمليّة اتّصال من اللّه إلى الرسول عبر الملك ثمّ يتحوّل الرسول - عليه السلام - بعد ذلك إلى مرسل للمخاطبين ( الناس ) باعتباره المتلقّي الأوّل للرسالة ، وأنّ تصنيف القرآن إلى مكّي ومدني هو ثمرة للتفاعل مع الواقع الحيّ التاريخي ، وأنّ التنجيم يتضمّن معنى الواقعيّة والتدرّج بالإنسان ، وإنّ استيعاب النصّ للوقائع الجديدة يستند إلى دوال إمّا في بنيته وإمّا في السياق الاجتماعي لخطابه ، أي في أسباب النزول وهي ، كما يرى أبو زيد ، من أهمّ العلوم الكاشفة عن علاقة النصّ بالواقع كما أنّ الناسخ والمنسوخ دليل آخر على جدليّة العلاقة بين الوحي والواقع . وإذا كان انصراف العلماء موجّها إلى البحث عن إعجاز القرآن في تأليفه ، فإنّ له إعجاز آخر خارج النّص من حيث تعامله مع الواقع ومعالجته له ، وأما إعجازه في داخله فنراه في المناسبة والتأليف والنظم ، وآلياته في التعبير عن الثقافة عبر مباحث الغموض والوضوح التي آثارها علماء القرآن ، وعبر العموم والخصوص ، فهذه هي آليّات النصّ في إنتاج الدلالة ، ويتحدّث بعد ذلك عن آليّات التأويل وهي الاستناد إلى اللّغة وإلى أدوات الفقه وكذلك إلى مصلحة المخاطبين باعتبار النّص جاء معبّرا عنها « 1 » . وأمّا في ( النصّ : السلطة الحقيقيّة ) فيذهب أبو زيد إلى أنّ النصّ القرآني نصّ يمتلك كلاما وليس نصّا تنطقه اللّغة وإنّ كان يستمدّ مقدرته القوليّة أساسا من اللّغة . والمقصود بمقدرته القوليّة مقدرته من حيث هو نصّ موجه للناس في ثقافة معيّنة ، وليس المقصود مقدرته من حيث طبيعة المتكلم به سبحانه وتعالى ويؤكّد على تشكّل النّص ضمن
هامش
( 1 ) نصر حامد أبو زيد ، مفهوم النّص : دراسة في علوم القرآن ، ط 3 ، المركز الثقافي الملكي ، بيروت / 1996 .