مبحث علوم القرآن . وكذلك يعدّ علم المناسبة من العلوم الضروريّة للمفسّر . ويجمع كلّ ذلك معرفة السياق . يقول الزركشي : " ليكن محطّ نظر المفسّر مراعاة النظم الذي سيق له الكلام ، وإن خالف أصل الوضع اللغوي لثبوت التجوّز ، ولهذا تجد صاحب الكشّاف يجعل الذي سيق له الكلام معتمدا " « 1 » . وقد ألحّ المفسّرون على اللّجوء للسّياق لفهم المعاني الملبسة في الآيات القرآنيّة . وقد يتمثّل هذا السياق عندهم في معرفة أسباب النزول ، الذي قد يفيد التخصيص أو قد يزيل الإشكال ، وقد يعني التعالق والترابط بين الآيات ، وقد يتمثّل السياق لدى المفسّر في نسق الآيات وما يصل بينها من روابط كالعطف والمضادّة التي تظهر في ذكر الرحمة بعد العذاب ، أو الرغبة بعد الرهبة ، أو حسن التخلّص ، وهو الانتقال من مقام إلى آخر من غير شعور بالانقطاع ، وترتيب الآيات .
وقد تنبّه المفسّرون إلى القرائن بنوعيها : المعنويّة والحالية ، وأهميّتها في تفسير الآي ، وجعلوها مهمّة جدّا كأهمية معرفة اللّغة والنحو والصرف والبلاغة « 2 » . فالسّياق هو الذي يفضي بك إلى معرفة غرض المتكلّم ، ويدلّك على وجود الحذف في الآية ، ومعرفة المحذوف ، وهو الذي يفسّر معاني الأدوات وأحرف المعاني ، كما سبق أنّ أشرنا في مبحث علوم القرآن .
ويذكر ابن خلدون أن من الأمور التي تلزم للمفسّر العلم بأحوال البشر " فقد أنزل اللّه هذا الكتاب وجعله آخر الكتب ، وبيّن فيه ما لم يبيّن في غيره . . فلا بدّ للناظر في هذا الكتاب من النظر في أحوال البشر : في أطوارهم وأدوارهم ، ومناشئ اختلاف أحوالهم من قوّة وضعف " « 3 » . ويقول في موضع آخر : " وكان النبيّ - صلّى اللّه عليه وسلّم - يبيّن المجمل ، ويميّز الناسخ من المنسوخ ، ويعرّفه أصحابه فعرفوه ، وعرفوا سبب نزول الآيات ومقتضى الحال منها منقولا عنه " « 4 » .
هامش
( 1 ) البرهان ، ج 2 ، ص 18 .
( 2 ) نفسه ، 2 / 200 .
( 3 ) ابن خلدون ، المقدمة ، ص 488 .
( 4 ) نفسه ، ص 489 .