الثانوية التي توكل للكلمة إمّا عن طريق عبارة النصّ أو إشارته أو دلالته الاقتضائيّة ، بل يخطون خطوة أخرى تتمثّل فيما أطلقوا عليه مصطلح ( المفهوم ) أو دلالة النصّ ؛ أي ما نفهمه ليس من الكلمات وما تدلّ عليه فقط ، بل من المعاني اللّغويّة التي يحدّدها سياق الكلمات أيضا ، باعتبار أنّ العناصر التي تشكّل هذا السياق ، والتي تتراءى للمخاطب عبر أقسام الكلام ، تساعد على إدراك ما تتضمّنه الكلمات من معان وعلل لا يمكن إغفالها في استثمار الخطاب . وأمّا دلالة المفهوم عند أولئك فهي " ما أشعر به المنطوق " « 1 » ، ونجد عند الغزالي عبارة من مثل : " إنه مفهوم من السياق " « 2 » . فالمفهوم يدرك بواسطة علّة حكم المنطوق به ، وهذه إنّما تعرف من السياق « 3 » .
( 3 - 3 ) العلاقة بين النصّ والسّياق في جهود المفسّرين
إنّ البحث في الترابط والمناسبة بين الآيات وسياقها الداخلي والخارجي ليس عملا ميكانيكيّا من منظور المفسّرين ؛ لذا نجد في تفاسيرهم تنبيهات يمكن أن تعدّ توجيهات عامّة في هذا العلم . ومن ذلك ما يشير إليه الفخر الرازي من أنّ التنويع بين الموضوعات في القرآن الكريم إنّما هو مراعاة لطاقات المخاطب ، وأدعى ألّا يصاب بالملل ، " فإنّه إذا انتقل من نوع من العلوم إلى نوع آخر فكأنّه يشرح به الصدر ويفرح به القلب " « 4 » .
ويعبّر ابن عاشور في تفسيره ( التحرير والتنوير ) إلى تلازم الأغراض والمعاني في القرآن الكريم ، بحسب ترتّب الآيات الكريمة " وأنّ ذلك فيه من المناسبة في المعاني وانسجام في نظم الكلام " « 5 » . وأما الزمخشري فإنّنا نلاحظ أنّه وإن لم يصرّح بمصطلح ( المناسبة ) فإنّه كان يستعمل صيغا تدلّ على ذلك دلالة واضحة من مثل : " فإن قلت : من المأمور بقوله :
" وبشّر " قلت ( . . . . ) وإن قلت : علام عطف هذا الأمر ، ولم يسبق أمر ولا نهي يصحّ
هامش
( 1 ) محمّد جواد مغنيّة ، الفقه في ثوبه الجديد ، ص 142 .
( 2 ) الغزالي ، شفاء الغليل ، ص 53 .
( 3 ) محمّد جواد مغنية ، الفقه في ثوبه الجديد ، ص 143 .
( 4 ) تفسير الرازي ، ج 7 ، ص 259 .
( 5 ) محمّد الطاهر بن عاشور ، تفسير التحرير والتنوير ، 3 / 465 .