منه ، بل إنّ هذه ليست إلّا خطوة أولى تليها خطوة أخرى ، ربّما كانت أكثر أهميّة ، وهي تطبيق هذه الأحكام المطلقة على تصرّفات الناس التي تصدر عنهم في واقعهم الاجتماعي أقوالا وأفعالا " ما دام كلّ دليل شرعي مبنيّا على مقدّمتين إحداهما راجعه إلى تحقيق مناط الحكم والأخرى ترجع إلى الحكم الشرعي نفسه " « 1 » . ونرى عند ابن عابدين إشارة مهمّة إلى أثر أحوال المخاطب وواقع الأمر في فهم النصّ يقول : " لا بدّ من فقه في أحكام الحوادث الكليّة ، وفقه في نفس الواقع وأحوال الناس ، يخبر به الصادق والكاذب ، والمحقّ والمبطل ، ثم يطابق بين هذا وهذا فيعطي الواقع حكمه من الواجب ، ولا يجعل الواجب مخالفا للواقع " « 2 » .
وقالوا إنّ النفوس ليست في قبول الأعمال الخاصّة على وزن واحد . « 3 » ومن هذا المنطلق قالوا في قوله تعالى :
" إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ "
« 4 » : إنّ الآية تقتضي مطلق التخيير ثم رأوا أنّه مقيّد بالاجتهاد ، فالقتل في موضع ، والصلب في موضع ، والقطع في موضع ، والنفي في موضع ، وكذلك التخيير في الأسرى من المنّ والفداء « 5 » .
وهنا نفهم سلوك عمر حيال الآية
" وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا "
« 6 » في عام المجاعة ، حين امتنع عن إقامة الحد « 7 » . إنّ مراعاة هذه
هامش
( 1 ) الموافقات ، 3 / 43 .
( 2 ) رسائل ابن عابدين ، رسالة العرف ، ص 41 .
( 3 ) الموافقات ، 4 / 98 .
( 4 ) سورة المائدة ، آية 33 .
( 5 ) الموافقات ، 4 / 103 .
( 6 ) سورة المائدة ، الآية ( 33 ) .
( 7 ) د . محمد بلتاجي ، منهج عمر في التشريع ، ص : ( 244 - 245 ) .