والاستشفاف التامّ لهذه الروح العربيّة ، وذلك المزاج العربي والذوق العربي ، رغم ما له من معان ومرام إنسانيّة اجتماعية خالدة ) « 1 » .
وفي بيان أهميّة المعرفة بالبيئة نجد الإمام الشاطبيّ يذكر أنّ من بين أنواع المقاصد الشرعيّة " قصد وضع الشريعة للإفهام " وركّز في بيان هذا القصد على كثير من خصوصيّات تلك البيئة التي يجب أن تفهم الشريعة في ظلّها « 2 » . بل إنّه يجعل عرف العرب في معاشهم أصلا في فهم الشريعة ، وكذلك يربط عمليّة فهم الخطاب بمستواهم الفكري ، فيرى أنّ التكاليف الاعتقاديّة والعمليّة لا بدّ أن تكون ممّا يسع العربيّ تعقّلها ليسعه الدخول تحت حكمها « 3 » .
وقد اهتمّ علماء الأصول بهدف الخطاب ومقصده ، فإذا عرف مراد المتكلّم بدليل من الأدلة وجب اتباع مراده ، " والألفاظ لم تقصد لذواتها ، وإنّما هي أدلّة يستدلّ بها على مراد المتكلّم ، فإذا ظهر مراده ووضح بأيّ طريق كان ، عمل بمقتضاه ، سواء كان بإشارة أو كتابة ، أو بإمارة أو دلالة عقليّة أو قرينة حاليّة أو عادة له مطّردة لا يخلّ بها " « 4 » .
ومعنى هذا أنّ المجتهد لا يمكن أن ينطلق من فراغ بل لا بدّ من " أن يجتهد في طريق إمّا دلالة وإمّا إمارة " « 5 » . وفي النصّ السابق يذكر لنا ابن القيّم طرق الاستدلال على هدف الخطاب أو مقصده وكلّها من القرائن المتّصلة بالسياق المقامي الذي سبق ذكره .
وهكذا يتبيّن لنا أنّ مهمّة المجتهد في الخطاب الشرعي ليست قاصرة على تفسيره واستنباط الأحكام منه انطلاقا من منطوقه أو من مفهومه ، أو من معقوله ، ووضح قواعد لغويّة أو شرعيّة يرسم بها لدراسة المسار الذي يجب أن يسلكه للوقوف على مراد الشارع
هامش
( 1 ) د . محمّد بن لطفي الصبّاغ ، بحوث في أصول التفسير ، ص 187 .
( 2 ) الموافقات ، 2 / 64 .
( 3 ) نفسه ، 2 / 88 .
( 4 ) ابن قيّم الجوزية ، أعلام الموقّعين ، 1 / 219 .
( 5 ) المعتمد في أصول الفقه ، 2 / 695 .