- مستوى خاصّ قريب إلى الخطاب ، وهو ما يرجع إلى ثبوت النصّ وضبطه ببيان تاريخ ظهوره ، وأدوار جمعه المختلفة ، وكتابته ، وأسباب نزوله ، وقراءته وغير ذلك ممّا أطلق عليه علماء الشريعة منذ القرن السادس الهجري مصطلح علوم القرآن .
- ومستوى عامّ بعيد عن الخطاب ظاهرا ، ولكنّه لازم لفهمه فهما سليما دقيقا ، وهو ما يرجع إلى البيئة العربيّة الماديّة ؛ أرضها : بجبالها وصحاريها وقيعانها ، وسمائها :
بسحبها ونجومها وأنوائها ، وجوّها : بحرّه وبرده وعواصفه وأنسامه . وطبيعتها :
بجدبها وخصبها ومحلها ، ونباتها ، وشجرها . والمعرفة كذلك بالبيئة العربية المعنوية " بكلّ ما تتّسع له هذه الكلمة من ماض سحيق ، وتاريخ معروف ، ونظام أسرة ، أو قبيلة ، أو حكومة في أيّ درجة كانت أو عقيدة ، أو فنون أو أعمال " « 1 » .
وأمّا وجه ضرورة المعرفة بالبيئة بوجهها الماديّ فيكفي أن يقال فيه : " إنّنا ما دمنا نذكر الحجر ، والأحقاف ، والأيكة ، ومدين ، ومواطن ثمود ، ومنازل عاد ، ونحن لا نعرف من هذه الأماكن إلّا تلك الإشارات الشاردة ، فما ينبغي أن نقول إنّنا فهمنا وصف القرآن لها ولأهلها ، أو إنّنا أدركنا مراد القرآن من الحديث عنها وعنهم ، ثمّ لن تكون العبرة بهذا الحديث جليّة ، ولا الحكمة ولا الهداية المرجوّة مفيدة مؤثّرة " « 2 » . ويكفي أن يقال إجمالا بالنسبة للبيئة المعنويّة أنّ القرآن فيها قد جمع وكتب ، وقرئ وحفظ ، وفيها نزل بلغة أهلها وخاطبهم أوّل من خاطب ، وألقى إليهم رسالته لينهضوا بأدائها وإبلاغها إلى شعوب الدنيا « 3 » . بالإضافة إلى ذلك فروح القرآن عربية ، ومزاجه عربيّ ، وأسلوبه عربيّ
" قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ "
« 4 » . " والنفاذ إلى مقاصده إنّما يقوم على التمثّل الكامل
هامش
( 1 ) مناهج تجديد في النحو والبلاغة والتفسير والأدب ، ص : ( 307 - 312 ) .
( 2 ) نفسه ، ص 311 .
( 3 ) نفسه ، ص 310 .
( 4 ) سورة الزمر ، الآية ( 28 ) .