كان الحال والوقت يقتضي ذلك ، مثل قول اللّه تعالى :
" وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ "
« 1 » . وذلك كلّه من جهة الخطاب ) « 2 » .
وأمّا من جهة المخاطب سبحانه وتعالى فقد كانت المعرفة بالذات العليّة عن طريق المعرفة بصفاتها التي تحدّث عنها القرآن الكريم والسنّة النبويّة الشريفة ، وعن طريق آثارها المتمثّلة في إعجاز النظم القرآني من جهة ، والكون ونظامه البديع من جهة أخرى أمرا ضروريّا لمعرفة المراد من خطابه تعالى ، لأنّ من شأن ذلك أن ينعكس على المجتهد في تحديد المراد من الخطاب الصادر من اللّه تعالى ، فبمعرفة حكمة اللّه وكمال أسمائه وصفاته ورحمته كان الصحابة يستدلّون على إذن اللّه تعالى في الأفعال وإباحته لها بإقراره وعدم إنكاره عليهم زمن الوحي ، يقول ابن القيّم : " وهذا استدلال على المراد بغير لفظ ، بل ربّما عرف من موجب أسمائه وصفاته ، وأنّه لا يقرّ على باطل حتى يبيّنه ) « 3 » . ويرى الإمام الشاطبي أيضا أنّ " أصل التخلّق بصفات اللّه ، والاقتداء بأفعاله أصل من أصول الاجتهاد " « 4 » . بعد أن يمهّد له بأنّ هناك قسما من علوم القرآن ، " مأخوذ من عادة اللّه تعالى في إنزاله ، وخطاب الخلق به ، ومعاملتهم له بالرفق والحسنى ، من جعله عربيّا يدخل تحت نيل أفهامهم ، وكونه تنزّل لهم بالترتيب والملاطفة والتعليم في نفس المعاملة به قبل النظر إلى ما حواه من المعارف والخبرات ، وهذا نظر خارج عمّا تضمّنه القرآن من العلوم " « 5 » .
وكانت المعرفة بشخصيّة الرسول عليه الصلاة والسلام باعتباره مخاطبا ومخاطبا في آن واحد عن طريق ما جاء في القرآن الكريم الذي تحدث كثيرا عن صفاته وأخلاقه ، من الأمور اللازمة لمعرفة الخطاب الشرعي « 6 » .
هامش
( 1 ) سورة الحشر الآية ( 9 ) .
( 2 ) الموافقات ، 3 / 335 .
( 3 ) ابن قيّم الجوزية ، أعلام الموقّعين ، 1 / 52 .
( 4 ) الموافقات ، الشاطبي ، 3 / 377 .
( 5 ) نفسه ، 3 / 377 .
( 6 ) نفسه .