تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الخطاب القرآني — صفحة 118

مساهمون:

ص١١٨
ما عدا البيع من الأعمال والأقوال ، وكلّ شاغل عن السعي لفهم العلّة ) « 1 » . فانظر كيف خرج الغزالي من السّياق اللّغوي إلى السّياق المقامي ليستطيع استخراج دلالة النص فقرأ عادات الناس يوم الجمعة ، وهو من صلب اللّسانيّات الاجتماعيّة في العصر الحديث ، ليستطيع تفسير مجيء البيع داخل آيات الصلاة ، ثمّ كيف يمكن أن يخرج من هذا التخصيص إلى عموم الدلالة ( أي كلّ أمر يعوق عن العبادة مثل البيع ) وما كان يمكن التعميم من غير قراءة السياق الخارجي أبدا . وفي موضع آخر يؤكّد الغزالي دور القرائن الحاليّة في تحقيق التواصل الذي عبّر عنه بالإفادة حينا ، وبالبيان حينا آخر يقول : " اعلم أنّ كلّ مفيد من كلام الشارع ، وفعله وسكوته ، واستبشاره ، حيث يكون دليلا ، وتنبيها بفحوى الكلام على علّة الحكم ، كلّ ذلك بيان ، وهو من حيث إنّه يفيد العلم بوجوب العمل دليل قطعا وبيان وهو كالنصّ " « 2 » . ولا يسوّغ لدى الغزالي تأويل نصّ الخطاب دون الاتّكاء على مثل هاتيك القرائن ، وكلّ تأويل مفتقر إليها يجب ردّه وإن كان محتملا ، لأنّ القرائن الأخرى قد تدلّ على فساد ذلك التأويل ودفعه ، ونصّ الغزالي سابق جدّا في أهميّة ما يسمّيه علماء الدلالة اليوم بالقوّة اللاكلاميّة ، وتشمل الإشارات ، وقسمات الوجه ، وحركات اليدين وغيرها ، وهي ركن أساس في الحدث الكلامي كما يذهب جون لاينز « 3 » . ولا يقال إنّ هذه القرائن تابعة للفظ ، لأنّه لا أحد يسلّم أنّ حركة المتكلّم وأخلاقه وعاداته وأفعاله ، وتغيّر لونه ، وتقطيب وجهه وجبينه ، وحركة رأسه ، وتقليب عينيه تابع للفظه ، بل هذه أدلّة مستقلّة يفيد اقتران جملة منها علوما ضرورية " مثل فعل المتكلّم فإنّه إذا قال عن المائدة : هات الماء ، فهم أنّه يريد الماء العذب البارد دون الحارّ المالح " « 4 » .
هامش
( 1 ) شفاء الغليل ، ص : 51 . ( 2 ) المستصفى ، الغزالي ، ص : 60 . ( 3 ) جون لاينز ، اللغة والمعنى والسياق ، ص : 271 . ( 4 ) المستصفى ، 2 / 15 .