ومثل قصد الاستغراق من اللّفظ العام فإنّه يعلم بعلم ضروري يحصل عن قرائن أحوال ورموز وإشارات وحركات من المتكلّم وتغيّرات في وجهه وأمور معلومة من عادته ومقاصده ، وقرائن مختلفة لا يمكن حصرها في جنس ، ولا ضبطها بوصف بل " هي كالقرائن التي يعلم بها خجل الخجل ، ووجل الوجل ، وجبن الجبان ، وكما يعلم قصد المتكلّم إذا قال : ( السلام عليكم ) أنّه يريد التحية ، أو الاستهزاء ، أو اللهو " « 1 » . وقالت المعتزلة : " إنّ الأمر لا يكون أمرا إلّا بثلاث : إرادة المأمور به ، وإرادة إحداث الصيغة ، وإرادة الدلالة بالصيغة على الأمر ، " وإذا أردنا تفسير رأي المعتزلة وإيضاحه بكلمات ثانية ، وجب أن نأخذ بمفهوم العلامات أو العوامل السياقيّة لدى جاكبسون وفيرث ، وهي الغرض والهدف ، والرسالة ، ونوايا المتكلّم الذي صدرت عنه الكلمات " « 2 » ؛ فالأمر مثلا يرد لغايات متنوّعة بتنوّع السياق ، فقد يأتي للوجوب ، أو النصح ، أو الإباحة ، أو التخيير ، أو التحقير ، أو الإهانة ، أو التسوية . وكلّها معان يستدلّ عليها من خلال القرائن .
وهكذا تظهر لنا القرائن اللغويّة التي تستعمل في سياق النصّ من طرف المتكلّم كعلامات هادية إلى المعنى المراد ، لكنّ هذه القرائن إن لم تصحبها معرفة بالمتكلّم المنتج للخطاب وبالمستمع الموجه إليه الخطاب ، وبالظروف الاجتماعيّة التي تحيط بالخطاب ، وبيئة الخطاب ، يظلّ فهم المستمع قاصرا عن تحديد المعنى المراد من الخطاب ، لأنّ المعنى كلّ مركّب من مجموعة الوظائف اللّغويّة إضافة إلى سياق الحال غير اللّغوي ، ويشمل سياق الحال هذا عناصر كثيرة تتّصل بالمتكلّم والمخاطب ، أو الظروف الملابسة والبيئة . ويبيّن الإمام الشاطبي هذه الأركان وما تؤدّيه من دور في تحديد المعنى المراد بقوله : " إنّ علم المعاني والبيان الذي يعرف به إعجاز نظم الكلام فضلا عن معرفة مقاصد كلام العرب ، إنّما مداره على مقتضيات الأحوال : حال الخطاب من جهة الخطاب نفسه ، أو المخاطب ، أو المخاطب ، أو الجميع ، إذ الكلام الواحد يختلف فهمه ، بحسب حاله ، وبحسب
هامش
( 1 ) المستصفى ، 2 / 15 .
( 2 ) إبراهيم خليل ، السياق ص : 61 .