وربداء يكفيها الشّميم وما لها * سوى الرّبد من أنس بتلك المجاهل
يخبر أنّ النّعامة لا تستأنس بشيء من الوحش ، وأنّ الشّمّ يغنيها في فهم ما تحتاج إليه .
وهي مع ذلك إذا صارت إلى دور النّاس ، فليس معها من الوحشة منهم ، على قدر ما يذكرون .
وفي الوحش ما يأنس ، وفيها ما لا يأنس . وقال كثيّر [ 1 ] : [ من الطويل ]
فأقسمت لا أنساك ما عشت ليلة * وإن شحطت دار وشطّ مزارها
وما استنّ رقراق السّراب وما جرت * ببيض الرّبا أنسيّها ونوارها [ 2 ]
ووصف بلادا قفارا غير مأنوسة فقال [ 3 ] : [ من الخفيف ]
ما ترى العين حولها من أنيس * قربها غير رابدات الرّئال [ 4 ]
خصّها بالذّكر ؛ لأنها أنفر وأشرد ، وأقلّ أنسا من جميع الوحش .
وقال الأحيمر [ 5 ] : كنت آتي الظّبي حتى آخذ بذارعيه ؛ وما كان شيء من بهائم الوحش ينكرني إلّا النّعام . وأنشد قول ذي الرّمّة [ 6 ] : [ من الطويل ]
وكلّ أحمّ المقلتين كأنّه * أخو الإنس من طول الخلاء المغفّل [ 7 ]
هامش
[ 1 ] ديوان كثير 430 - 431 .
[ 2 ] استن : اضطرب . النور : النافر الذي لا يستأنس من الحيوان .
[ 3 ] ديوان كثير 398 .
[ 4 ] رابدات : مقيمات . الرئال : فراخ النعام .
[ 5 ] هو الأحيمر السعدي ، وتمام الخبر في عيون الأخبار 2 / 88 : « كنت حين خلعني قومي وأطلّ السلطان دمي ، وهربت وترددت في البوادي ، ظننت أني قد جزت نخل وبار أو قريب منها ، وذلك أني كنت أرى النوى في رجع الذئاب ، وكنت أغشى الظباء وغيرها من بهائم الوحش ، فلا تنفر مني ، لأنها لم تر أحدا قبلي ، وكنت أمشي إلى الظبي السمين فآخذه ، وعلى ذلك رأيت جميع تلك الوحوش إلا النعام ، فإنه لم أره إلا نافرا فزعا » .
[ 6 ] ديوان ذي الرمة 1462 ، وعيون الأخبار 2 / 88 ، والمعاني الكبير 754 ، وجمهرة الأمثال 2 / 317 ، وشرح ديوان الحماسة للتبريزي 1 / 343 .
[ 7 ] في ديوانه « يريد : وكل ثور أسود العينين كأنه أخو الإنس لا ينحاش من الناس ، لا يفزع منهم لأنه لا يعرفهم » والمغفل : الذي لا علامة فيه ولا أثر .