والتعرّض ، والتّحكك والتهييج والتحريش ، فلو أنّ الذي يأتي صبيانكم إلى الكلب ، من الإلحاح بأصناف العبث - والصّبيان أقسى الخلق وأقلّهم رحمة - أنزلوه بالأحنف ابن قيس ، وقيس بن عاصم ، بل بحاجب بن زرارة وحصن بن حذيفة ، لخرجوا إلى أقبح ممّا يخرج إليه الكلب . ومن ترك منهم الأخذ فوق يد ابنه ، فهو أحقّ باللائمة .
وبعد فما وجدنا كلبا وثب على صبيّ فعقره من تلقاء نفسه ، وإنّه ليتردّد عليه وهو في المهد ، وهو لحم على وضم ، فلا يشمّه ولا يدنو منه . وهو أكثر خلق اللّه تعالى تشمّما واسترواحا ؛ وما في الأرض كلب يلقى كلبا غريبا إلّا شمّ كلّ واحد منهما است صاحبه ، ولا في الأرض مجوسيّ يموت فيحزن على موته ويحمل إلى الناووس إلّا بعد أن يدنى منه كلب يشمّه ، فإنّه لا يخفى عليه في شمّه عندهم ، أحي هو أم ميّت ؛ للطافة حسّه ، وأنّه لا يأكل الأحياء . فأمّا اليهود فإنّهم يتعرّفون ذلك من الميّت ، بأن يدهنوا استه . ولذلك قال الشاعر وهو يرمي ناسا بدين اليهودية : [ من الطويل ]
إذا مات منهم ميّت مسحوا استه * بدهن وحفّوا حوله بقرام « 1 »
264 - [ جنايات الديك ]
وقالوا : فإذا ذكرتم جنايات الكلاب ، فواحد من جنايات الدّيكة أعظم من جنايات الكلاب ؛ لأنّ عبد اللّه بن عثمان بن عفّان ، ابن بنت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، إنّما مات من نقر ديك في دار عثمان ، نقر عينه فكان سبب موته « 2 » . فقتل الديك لعترة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، أعظم من كثير ممّا تستعظمونه من جنايات الكلاب .
وقد نقر ديك عين ابن حسكة بن عتّاب ، أو عين ابن أخته .
وقد نقر ديك عين ابن الريان بن أبي المسيح وهو في المهد فاعورّ ، ثمّ ضربته الحمرة فمات .
ووثب ديك فطعن بصيصته عين بنت لثمامة بن أشرس ، قال ثمامة : فأتاني الصّريخ ، فو اللّه ما وصلت إليها حتى كمد وجهها كلّه واسودّ الأنف والوجنتان وغارت العينان . وكان شأن هذا الديك - فيما زعم ثمامة - عجبا من العجب : ذكر أنّ رجلا ذكر أنّ ديكا عند بقّال لهم ، يقاتل به الكلاب ، قال : فأتيت البقّال الذي
هامش
( 1 ) البيت لسالم بن دارة في اللسان والتاج ( حمم ) .
( 2 ) في المعارف 142 : ( . . وهلك صبيا لم يجاوز ست سنين ، وكان نقره ديك على عينه فمرض ومات ) . وانظر جمهرة أنساب العرب 16 .