وأمّا إنْ أخذ بالمعنى الثالث ، فظاهر من المعنى الثاني ، فإن كونه في مكّة مستلزم لعدم العلم مع الحالة التي عليها أهلها .
وقد ظهر من هذه الوجوه ، وجه ارتباط الآية بما قبلها ، فإنّ من يفعل مثل هذه الأمور هو الحكيم المطلق ، وغيره لا يقدر على مثلها ، فتكون هذه الآية بمنزلة البرهان الإنّي [ 1 ] للآية المتقدمة ، كما هو ظاهر ، ولا يخفى لطفه .
« يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفي ضَلالٍ مُبينٍ » [ 2 ] .
شرح
[ 1 ] البرهان إمّا لميّ ، وهو ما ينتقل فيه من العلّة إلى المعلول ، وإمّا إني ، وهو ما ينتقل فيه من المعلول إلى العلّة ، فالآية تكون برهاناً إنّياً ، على أنّه سبحانه ملك وحكيم على الإطلاق .
[ 2 ] قال العلّامة الطباطبائي : وليس الحقّ إلّاالرأي والاعتقاد الذي يطابقه الواقع ويلازمه الرشد من غير غيّ ، وهذا هو الحكمة . الرأي الذي أحكم في صدقه فلا يتخلله كذب ، وفي نفعه فلا يعقبه ضرر ، وقد أشار تعالى إلى اشتمال الدّعوة على الحكمة بقوله : « وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ » « 1 » ووصف كلّاً من المنزل به ، فقال : « وَالْقُرْآنِ الْحَكيمِ » « 2 » ،
هامش
( 1 ) سوره النساء الآية 113 .
( 2 ) سوره يس الآية 2 .