تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 79

مساهمون:

ص٧٩
شاكرون ، ولأياديه ناشرون ، وعلى اختلاف قضائه صابرون ، ولثوابه بالحسنات مستحقّون ، ولعقابه بالسيّئات مستوجبون ، ولعفوه برحمته منتظرون ، واللّه خبير بما يعملون ، وبصير بما يسرّون وما يعلنون ، وأبو سليمان يقول من الجماعة : العرب أذهب مع صفو العقل ، ولذلك هم بذكر المحاسن أبده ، وعن أضدادها أنزه . ولو كانت روّيتهم في وزن بديهتهم ، كان الكمال ، ولكن لمّا عزّ الكمال فيهم ، عزّ أيضا في غيرهم من الأمم ، فالأمم كلّها شرع واحد في عدم الكمال إلّا أنّهم متفاضلون بعد هذا فيما نالوه بالخلقة الأولى ، وبالاختيار الثاني ، واختلفت أبصارهم في هذا الموضع ، فأمّا ما منعه الإنسان في الأوّل فلا عتب عليه فيه ، لأنّه لا يقال للأعمى : لم لا تكون بصيرا ، ولا يقال للطويل : لم لا تكون قصيرا وقد يقال للقصير : سدّد طرفك ، واكحل عينك ، ومدّ ناظرك ، كما يقال للطويل ، تطامن ، في هذا الزّقاق حتى تدخل ، وتقاصر حتى تصل ، وأما ما لم يمنعه الإنسان في الأوّل ، بل أعطيه ووهب له ، فهو فيه مطّلب بما عليه وله كما أنّه مطالب بما له وعليه . وقال الجيهانيّ أيضا : ليس للعرب كتاب إقليدس ولا المجسطيّ ولا الموسيقي ولا كتاب الفلاحة ، ولا الطّبّ ولا العلاج ، ولا ما يجري في مصالح الأبدان ، ويدخل في خواصّ الأنفس . فليعلم الجيهانيّ أنّ هذا كلّه لهم بنوع إلهيّ لا بنوع بشريّ ، كما أنّ هذا كلّه لغيرهم بنوع بشريّ لا بنوع إلهيّ ، وأعنى بالإلهيّ والبشريّ الطّباعيّ والصناعيّ ، على أن إلهيّ هؤلاء قد مازجه بشريّ هؤلاء ، وبشريّ هؤلاء قد شابه إلهيّ هؤلاء ، ولو علم هذا الزاري لعلم أن المجسطي وما ذكره ليس للفرس أيضا ، وما عندي أنّه مكابر فيدّعي هذا لهم . فإن قال : هو لليونان ، ويونان من العجم ، والفرس من العجم ، فأنا أخرج هذه الفضيلة من العجم إلى العجم فهذا منه حيف على نفسه ، وشهادة على نقصه ، لأنّه لو فاخر يونان لم يستطع أن يدّعي هذا للفرس ، ولا يمكنه أن يقول : نحن أيضا عجم ، وفضيلتكم في هذه الكتب والصناعة متّصلة بنا ، وراجعة إلينا . ومتى قال جبه بالمكروه وقوبل بالقذع « 1 » ، وقيل له : صه ، كما يقال للجاهل - إن لم تقل له : « اخسأ » كما يقال - في كل الأحاديث ، وإن أغفلته ظلمت نفسي ، ومن حابى خصمه غلب . قال القاضي أبو حامد المرورّوذيّ : لو كانت الفضائل كلّها بعقدها وسمطها ، ونظمها ونثرها ، مجموعة للفرس ، ومصبوبة على أرؤسهم ، ومعلّقة بآذانهم ، وطالعة من جباههم ، لكان لا ينبغي أن يذكروا شأنها ، وأن يخرسوا عن دقّها وجلّها ، مع نيكهم الأمهات والأخوات والبنات فإن هذا شيء كريه بالطباع ، وضعيف بالسّماع ،
هامش
( 1 ) الشتم .