والرياح المختلفة والسحائب الكاذبة ، والمخايل الصادقة ، والأنواء المحمودة والمذمومة ، والأسباب الغريبة العجيبة .
وهذا لأنّهم مع توحّشهم مستأنسون ، وفي بواديهم حاضرون ، فقد اجتمع لهم من عادات الحاضرة أحسن العادات ، ومن أخلاق البادية أطهر الأخلاق .
وهذا المعنى على هذا النّظم قد عدمه أصحاب المدن وأرباب الحضر ، لأن الدناءة والرّقّة والكيس والهين والخلابة والخداع والحيلة والمكر والخبّ تغلب على هؤلاء وتملكهم ، لأن مدار أمرهم على المعاملات السيّئة ، والكذب في الحسّ ، والخلف في الوعد .
والعرب قد قدّسها اللّه عن هذا الباب بأسره ، وجبلها على أشرف الأخلاق بقدرته ، ولهذا تجد أحدهم وهو في بتّ « 1 » حافيا حاسرا يذكر الكرم ، ويفتخر بالمحمدة ، وينتحل النّجدة ، ويحتمل الكلّ « 2 » ، ويضحك في وجه الضيف ويستقبله بالبشر ، ويقول : أحدّثه إن الحديث من القرى . ثمّ لا يقنع ببثّ العرف وفعل الخير والصبر على النوائب حتى يحضّ الصغير والكبير على ذلك ويدعو إليه ، ويستنهضه نحوه ، ويكلّفه مجهوده وعفوه .
وقد قيل لرجل منهم في يوم شات وهو يمشي في سمل « 3 » : أما تجد البرد يا أخا العرب ؟ فقال : أمشي الخيزلي ويدفئني حسبي . والفارسيّ لا يحسن هذا النّمط ، ولا يذوق هذا المعنى ولا يحلم بهذه اللّطيفة ، وكذلك الروميّ والهنديّ وغيرهما من جميع العجم .
وممّا يدلّ على تحضّرهم في باديتهم ، وتبدّيهم في تحضّرهم ، وتحلّيهم بأشرف أحوال الأمرين ، أسواقهم التي لهم في الجاهليّة ، مثل دومة الجندل بقرى كلب وهي النصف بين العراق والشأم ، كان ينزلها الناس أوّل يوم من شهر ربيع الأول ، فيقيمون أسواقهم بالبيع والشراء ، والأخذ والعطاء ، وكان يعشّرهم أكيدر دومة ، وربما غلبت على السوق كلب فيعشّرهم « 4 » بعض رؤساء كلب ، فيقوم سوقهم إلى آخر الشهر ، ثم ينتقلون إلى سوق هجر ، وهو المشقّر في شهر ربيع الآخر ، فتقوم أسواقهم ، وكان يعشّرهم المنذر بن ساوى أحد بني عبد اللّه بن دارم ، ثم يرتحلون نحو عمان ، فتقوم سوقهم بديار دبا ، ثم بصحار ، ثمّ يرتحلون فينزلون إرم ، وقرى الشّحر فتقوم أسواقهم أيّاما ، ثم يرتحلون فينزلون عدن أبين ، ومن سوق عدن تشترى اللطائم وأنواع الطّيب ،
هامش
( 1 ) كساء غليظ من صوف أو وبر .
( 2 ) الكل أي الضعيف .
( 3 ) أي الخلق البالي من الثياب .
( 4 ) أي يأخذ منهم العشر .