تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 81

مساهمون:

ص٨١
إلا مقهورا ، ولكن اتّفق على مزدك ملك عاقل فوضع باطله ، واتفق لزرادشت ملك ركيك فرفع باطله ، وما نزع اللّه عنهم الملك إلّا بالحق ، كما قال تعالى :
فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ
[ الزخرف : 55 ] . ثم قال : وبعد ، فكلّ شيء خارج من الحكمة الإلهيّة والعقليّة والطبيعيّة فهو ساقط بهرج ، ومردود مرذول ، إذا فعله جاهل عذر بالجهل ، وإذا أتاه عالم عذل للعلم . قال : وكانت العرب بهذا الخلق الذميم ، وهذا الفعل اللئيم ، لو فعلته أعذر ، لأنّهم أشدّ غلمة من غيرهم وأكثر تهيّجا ، وأقوى على البضاع ، وأوثب على النساء يدلّك على هذا غزلهم وعشقهم ونظمهم ونثرهم وفراغهم وشهوتهم ، وتراهم مع هذه الدواعي والبواعث لم يستحسنوا هذا ولم يفعلوه ، ولو أكرههم على هذا مكره ودعاهم إليه داع لما أطاعوه ، ولذلك لم ينجم منهم ناجم بالحيلة فدعا إلى هذا ، ولو كان لكان أوّل من دقّ رأسه بالعمد ، وبعج بطنه بالخنجر ، وما منعهم من هذا إلّا الأنفس الكريمة ، والطباع المعتدلة ، والشكائم الشديدة ، والأرواح العيفة ، والعادات الرضيّة ، والضرائب الطيّبة ، وكان وأد البنات عندهم أنفى للمعاير ، وأطرد للقبائح من هذا الّذي استحسنه زرادشت وقبل منه الفرس ، وهم يدّعون الحكم والعلم والحزم والعزم ، ولفرط جهلهم وغلبة شهوتهم غفلوا عمّا يجوز أن يكون اللّه سبحانه مبيحا له أو حاظرا ، أو مطلقا أو مانعا ، أو محلّلا أو محرّما ، هيهات ما كلّف اللّه أهل العقل القيام بالدّين والتّصفّح للحقّ من الباطل إلّا لما شرّفهم به في العاجل ، وعرّضهم له في الآجل ، والعاقبة للمتّقين . قال أبو الحسن الأنصاريّ - وكان حاضرا - : الهند أوضح عذرا في هذا الحديث لأنّهم جعلوه من باب القربة في بيوت الأصنام ، وبلغوا مرادهم بهذه الخديعة ، ولم ينسبوا إلى اللّه شيئا منه ، ولا استجازوا الكذب عليه ، ولا علّقوه أيضا على نبيّ من عند اللّه ، بل رأوه صوابا بالوضع ثم طابت أنفسهم من هذا الفعل بالمران والعادة . وبعد ، فعقولهم مدخولة ، والبارع منهم قليل ، وهم إلى الإفك والوهم والسّحر أميل ، وفي أبوابها أدخل . ثم قال أبو الحسن : انظر إلى جهل زرادشت في هذا الحكم وإلى ضعف عقول الفرس في قبولهم منه هذا الفعل ، وخيّر بينها وبين عقول العرب ، فإنّهم قالوا : « اغتربوا لا تضووا » « 1 » . واستفاض هذا منهم حتى سمع من صاحب الشريعة صلّى اللّه عليه وسلّم ، وذلك أنّ الضّوى مكروه ، والعرب قالت هذا بالإلهام ، لقرائحهم الصافية ، وأذهانهم
هامش
( 1 ) أي تزوجوا في بعاد الأنساب لا في الأقارب ، لا تضوى أولادكم أي تضعف .