تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 77

مساهمون:

ص٧٧
ولم يكن في الأرض أكثر طيبا ، ولا أحذق صنّاعا للطّيب من عدن ، ثم يرتحلون فينزلون الرابية من حضرموت ، ومنهم من يجوزها ويرد صنعاء ، فتقوم أسواقهم بها ، ومنها كانت تجلب آلة الخرز والأدم والبرود ، وكانت تجلب إليها من معافر ، وهي معدن البرود والحبر ثم يرتحلون إلى عكاظ وذي المجاز في الأشهر الحرم ، فتقوم أسواقهم بها ، فيتناشدون ويتحاجّون ويتحادّون ، ومن له أسير يسعى في فدائه ، ومن له حكومة ارتفع إلى الذي يقوم بأمر الحكومة من بني تميم ، وكان آخرهم الأقرع بن حابس ، ثم يقفون بعرفة ، ويقضون ما عليهم من مناسكهم ، ثم يتوجهون إلى أوطانهم . وهذه الأسواق كانت تقوم طول السنة ، فيحضرها من قرب من العرب ومن بعد . هذا حديثهم ، وهم همل لا عزّ لهم إلا بالسّؤدد ، ولا معقل لهم إلّا السّيف ، ولا حصون إلّا الخيل ، ولا فخر إلّا بالبلاغة . ثم لمّا ملكوا الدّور والقصور والجنان والأدوية والأنهار والمعادن والقلاع والمدن والبلدان والسهل والجبل والبرّ والبحر ، لم يقعدوا عن شأو من تقدّم بآلاف سنين ، ولم يعجزوا عن شيء كان لهم ، بل أبرّوا عليهم وزادوا ، وأغربوا وأفادوا ، وهذا الحكم ظاهر معروف ، وحاضر مكشوف ، ليس إلى مردّه سبيل ولا لجاحده ومنكره دليل . فليستحي الجيهاني بعد هذا البيان والكشف والإيضاح ، بالإنصاف من القذع والسّفه اللّذين حشا بهما كتابه ، وليرفع نفسه عما يشين العقل ، ولا تقبله حكّام العدل ، وصاحب العلم الرصين ، والأدب المكين ، لا يسلّط خصمه على عرضه بلسانه ، ولا يستدعي مرّ الجواب بتعرضه ويرضى بالميسور في غالب أمره ، فإنّ العصبيّة في الحق ربّما خذلت صاحبها وأسلمته ، وأبدت عورته ، واجتلبت مساءته ، فكيف إذا كانت في الباطل ونعوذ باللّه أن نكون لفضل أمّة من الأمم جاحدين ، كما نعوذ به أن نكون بنقص أمّة من الأمم جاهلين . فإنّ جاحد الحقّ يدلّ من نفسه على مهانة ، وجاهل النقص يدل من نفسه على قصور ، فهذا هذا ، وفي الجملة المسلّمة ، والدعوة المرسلة ، أنّ أهل البرّ وأصحاب الصّحارى الذين وطاؤهم الأرض ، وغطاؤهم السماء ، هم في العدد أكثر وعلى بسيط الأرض أجول ، ومن الترفّه والرفاهية أبعد ، وبالحول والقوّة أعلق وإلى الفكرة والفطنة أفزع ، وعلى المصالح والمنافع أوقع ، ومن المخازي آنف وللقبائح أعيف ، وهذا للدّواعي الظاهرة ، والحاجات الضروريّة ، والعلائق الحاضّة على الألفة والمودّة ، والشدائد المؤدبة ، والعوارض اللّازبة « 1 » ، ولهذا يقال : عيب الغنى أنّه يورث البلادة ، وفضيلة الفقر أنّه يبعث الحيلة ، وهذا معنى كريم ، لا يقرّ به إلّا كلّ نقّاب عليم .
هامش
( 1 ) أي الثابتة الشديدة .
الإمتاع والمؤانسة — صفحة 77 | أبي حيان علي بن محمد التوحيدي / هيثم خليفة الطعيمي