ومردود عند كل ذي فطرة سليمة ، ومستبشع في نفس كل من له جبلّة معتدلة . قال :
ومن تمام طغيانهم ، وشدّة بهتانهم ، أنّهم زعموا أن هذا بإذن من اللّه تعالى ، وبشريعة أتت من عند اللّه ، واللّه تعالى حرّم الخبائث من المطعومات فكيف حلّل الخبائث من المنكوحات ؟ قال : وكذب القوم ، لم يكن زرادشت نبيّا ، ولو كان نبيّا لذكره اللّه تعالى في عرض الأنبياء الّذين نوّه بأسمائهم وردّد ذكرهم في كتابه ، ولذلك قال النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « سنّوا بهم سنّة أهل الكتاب » لأنّه لا كتاب لهم من عند اللّه منزّل على مبلّغ عنه . وإنّما هو خرافة خدعهم بها زرادشت بقوّة الملك الّذي قبل ذلك منه وحمل الناس عليه طوعا وكرها ، وترغيبا وترهيبا ، وكيف يبعث اللّه نبيا يدعو إلى إلهين اثنين ؟ وهذا مستحيل بالعقل ، وما خلق اللّه العقل إلّا ليشهد بالحق للمحقّ والباطل للمبطل ، ولو كان شرعا لكان ذلك شائعا عند أهل الكتابين ، أعني اليهود والنصارى ، وكذلك عند الصابئين ، وهم كانوا أكثر الناس عناية بالأديان والبحث عنها ، والتوصّل إلى معرفة حقائقها ، ليكونوا من دينهم على ثقة ، فكيف صارت النصارى تعرف عيسى ، واليهود تعرف موسى ، ومحمّد - صلّى اللّه عليه وسلّم - يذكرهما ويذكر غيرهما ، كداود وسليمان ويحيى وزكريّا ، وغير هؤلاء ، ولا يذكر زرادشت بالنبوّة وأنّه جاء من عند اللّه تعالى بالصدق والحق كما جاء موسى وعيسى . . . « 1 » لكنّي بعثت ناسخا لكلّ شريعة ، ومجدّدا لشريعة خصّني اللّه بها من بين العرب .
قال : وهذا بيان نافع في كذبهم ، وإنما جاءوا إلى وهي فرقعوه ، وإلى حرام بالعقل فأباحوه ، وإلى خبيث بالطبع فارتكبوه وإلى قبيح في العادة فاستحسنوه .
وقد وجدنا في البهائم ما إذا أنزي الفحل منها على أمّه لم يطاوع ، وإذا أكره وخدع وعرف غضب على أهله وندّ عنهم ، وشرر عليهم ، فما تقول في خلق لا ترضاه البهيمة ، ولا تطاوعه فيه الطبيعة ، بل يأباه حسّه مع كلوله وتبرد شهوته مع اشتعالها ، ويرضاه هؤلاء القوم مع عجبهم بعقولهم ، وكبرهم في أنفسهم .
ولو كان زرادشت أقام لهم على هذه الخصلة اللّئيمة والفعلة الذميمة كلّ آية وكلّ برهان ، ونثر عليهم نجوم السماء ، وأطلع لهم الشمس من المغرب ، وفتّت لهم الجبال ، وغيّض لهم البحار ، وأراهم الثريّا تمشي على الأرض تخترق السّكك وتشهد له بالصدق ، لكان من الواجب بالعقل وبالغيرة وبالحميّة وبالأنفة وبالتقزّز وبالتعزّز ألّا يجيبوه إلى ذلك ، ويشكّوا في كل آية يرون منه ، ويقتلوه ، وينكّلوا به .
ولكن بمثل هذا العقل قبلوا من مزدك ما قبلوه مرّة ، ولو عاملوا زرادشت بما عاملوا به مزدك ما كان الأمر إلا واحدا ، ولا كان الحقّ إلا منصورا ، ولا كان الباطل
هامش
( 1 ) كلام سقط من الأصل .