تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 78

مساهمون:

ص٧٨
وقال الجيهانيّ أيضا : ممّا يدل على شرفنا وتقدّمنا وعزّنا وعلوّ مكاننا ، أنّ اللّه أفاض علينا النّعم ، ووسّع لدينا القسم وبوّأنا الجنان والأرياف ، ونعّمنا وأترفنا . ولم يفعل هذا بالعرب ، بل أشقاهم وعذّبهم ، وضيّق عليهم وحرمهم ، وجمعهم في جزيرة حرجة ، ورقعة صغيرة ، وسقاهم بأرنق ضاح ، وبهذا يعلم أنّ المخصوص بالنعمة والمقصود بالكرامة فوق المقصود بالإهانة . فأطال هذا الباب بما ظنّ أنّه قد ظفر بشيء لا جواب عنه ، ولا مقابل له ، ولو كان الأمر كما قال لما خفي على غيره وتجلّى له ، بل قد خصت العرب بعد هذا بأشياء تطول حسرة من فاتته عليها ، ولا يفيد التفاته بالغيظ إليها ، وقد دلّ كلامه على أنّه جاهل بالنعمة ، غافل عمّا هو سرّ الحكمة . وعنده أنّ الجاهل إذا لبس الثوب الناعم ، وأكل الخبز الحوّارى وركب الجواد ، وتقلّب على الحشيّة ، وشرب الرحيق ، وباشر الحسناء ، هو أشرف من العالم إذا لبس الأطمار ، وطعم العشب ، وشرب الماء القراح ، وتوسّد الأرض ، وقنع باليسير من رخى العيش ، وسلا عن الفضول ، هذا خطأ من الرأي ، ومردود من الحكم ، عند اللّه تعالى أوّلا ، ثم عند جميع أهل الفضل والحجا ، وأصحاب التّقى والنّهى ، وعلى طريقته أيضا أن البصير أشرف من الأعمى ، والغني أفضل من الفقير . ألا يعلم أنّ المدار على العقل الّذي من حرمه فهو أنقص من كلّ فقير ، وعلى الدّين الذي من عري منه فهو أسوأ حالا من كلّ موسر ، ونعمة اللّه على ضربين : أحد الضربين عمّ به عباده ، وغمر بفضله خليقته ، بدءا بلا استحقاق وذلك أنّه خلق ورزق وكفل وحفظ ونعش وكلأ وحرس وأمهل وأفضل ورهب وأجزل ، وهذا هو العدل المخلوط بالإحسان ، والتسوية والمعمومة بالتفضّل والقدرة المشتملة على الحكمة ، والضرب الثّاني هو الذي يستحقّ بالعمل والاجتهاد والسعي والارتياد ، والاختيار والاعتقاد ، ليكون جزاء وثوابا ، ولهذا حرم العاصي المخالف ، وأنال الطائع الموافق ، فقد بان الآن أنّ المدار ليس بالجنان والترفّه ، ولا بالذهب والفضّة ، ولا الوبر والمدر . وقد مرّ هذا الكلام كلّه فليسكن من الجيهانيّ جأشه ، وليفارقه طيشه ، وليعلم أنّ من أنصف أعطى بيده ، وسلّم الفضل لأهله ، فإنّ التواضع للحقّ رفعة ، والترفع بالباطل ضعة . وهاهنا بقيّة ينبغي أن يتبصّر فيها ، من عرف النقص البحت ، والنقص المشوب بالزيادة ، والفضل الصّرف ، والفضل الممزوج بالنقيصة لم يجحد بالهوى المغوي فضلا ، ولم يدّع للعصبيّة المردية شرفا ، ولم ينكر بالحسد مزيّة ، والخلق كلّهم في نعم اللّه تعالى مشتركون ، وفي أياديه مغموسون وبمواهبه متفاضلون ، وعلى قدرته متصرّفون ، وإلى مشيئته صائرون ، وعن حكمته مخبرون ، ولآلائه ذاكرون ، ولنعمائه