الواقدة ، وطينتهم الحرّة ، وأعراقهم الكريمة ، وعاداتهم السليمة : وإنّما شعروا بهذا لأن الضوى الواصل إلى الأبدان هو سار في العقول ، ولكن الفرس عن هذا السرّ غافلون ، ولا يفطن لهذا وأمثاله إلّا الألمعيّون الأحوذيّون ، ثم قال : أنشد الأصمعيّ عن العرب قول قائلهم في مدح صاحب له :
فتى لم تلده بنت عمّ قريبة * فيضوى وقد يضوى رديد الأقارب
قال : وقالت العرب : « أضواه حقّه » : إذا نقصه . قال : وقال آخر لولده : واللّه لقد كفيتك الضّئولة ، واخترت لك الخؤولة .
وقال أيضا : العرب تقول : « ليس أضوى من القرائب ، ولا أنجب من الغرائب » وقال الشاعر :
أنذرت من كان بعيد الهمّ * تزويج أولاد بنات العمّ
ليس بناج من ضوى أو سقم * وأنت إن أطعمته لا ينمي
وقال الأسديّ يفتخر :
ولست بضاويّ تموج عظامه * ولادته في خالد بعد خالد
تردّد حتى عمّه خال أمه * إلى نسب أدنى من السر واحد
ثم قال : والعرب لم ترد بهذا إلا نقص الذهن والعقل ، لأنّها لو أرادت نقصان الجسم لكانت مخطئة ، لأنّهم يريدون سمانة الجسم مع السلامة والصلابة . ثم قال : وعلى هذا طباع الأرض ، ولذلك يقال : إذا كثرت المؤتفكات زكت الأرض ، لأنّ الرياح إذا اختلفت حوّلت تراب أرض إلى أرض ، وإذا كان الاغتراب يؤثّر من التراب إلى التراب ، فبالحريّ أن يؤثّر الإنسان في الإنسان بالاغتراب ، لأن الإنسان أيضا من التراب .
قال أبو حامد : فما ظنّك بقوم يجهلون آثار الطبيعة ، وأسرار الشريعة ؟ ما أذلّهم اللّه باطلا ، ولا سلبهم ملكهم ظالما ، ولا ضربهم بالخزي والمهانة إلّا جزاء على سيرتهم القبيحة ، وكذبهم على اللّه بالجرأة والمكابرة ، وما اللّه بظلام للعبيد .
فلما بلغ القول مداه قال : للّه درّ هذا النّفس الطويل والنّفث الغزير ! لقد كنت قرما إلى هذا النوع من الكلام ، ففرّغ نفسك لرسمه في جزء لأنظر فيه ، وأشرب النفس حلاوته ، وأستنتج العقيم منه ، فإنّ الكلام إذا مرّ بالسمع حلّق ، وإذا شارفه البصر بالقراءة من كتاب أسفّ ، والمحلّق بعيد المنال ، والمسفّ حاضر العين ، والمسموع إذا لم يملكه الحفظ تذكّر منه الشيء بعد الشيء بالوهم الذي لا انعقاد له ، والخيال الّذي لا معرّج عليه . فقلت : أفعل سامعا مطيعا - إن شاء اللّه - .