تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 75

مساهمون:

ص٧٥
وعيشا إذا جادتهم السماء ، وصدقتهم الأنواء « 1 » ، وازدانت الأرض ، فهدّلت الثمار ، واطّردت الأودية ، وكثر اللّبن والأقط والجبن واللّحم والرّطب والتّمر والقمح ، وقامت لهم الأسواق ، وطابت المرابع وفشا الخصب ، وتوالى النّتاج ، واتّصلت الميرة ، وصدق المصاب وأرفغ « 2 » المنتجع ، وتلاقت القبائل على المحاضر ، وتقاولوا وتضايفوا ، وتعاقدوا وتعاهدوا ، وتزاوروا وتناشدوا ، وعقدوا الذّمم ، ونطقوا بالحكم ، وقروا الطّرّاق ، ووصلوا العفاة ، وزوّدوا السابلة ، وأرشدوا الضّلّال ، وقاموا بالحمالات « 3 » وفكّوا الأسرى ، وتداعوا الجفلى « 4 » ، وتعافوا النّقرى « 5 » ، وتنافسوا في أفعال المعروف ، هذا وهم في مساقط رؤوسهم ، بين جبالهم ورمالهم ، ومناشئ آبائهم وأجدادهم ، وموالد أهلهم وأولادهم ، على جاهليّتهم الأولى والثانية ، وقد رأيت حين هبّت ريحهم وأشرقت دولتهم بالدعوة ، وانتشرت دعوتهم بالملّة ، وعزّت ملّتهم بالنبوّة ، وغلبت نبوّتهم بالشّريعة ، ورسخت شريعتهم بالخلافة ، ونضّرت خلافتهم بالسياسة الدينيّة والدّنيويّة ، كيف تحوّلت جميع محاسن الأمم إليهم وكيف وقعت فضائل الأجيال عليهم من غير أن طلبوها وكدحوا في حيازتها أو تعبوا في نيلها ، بل جاءتهم هذه المناقب والمفاخر ، وهذه النوادر من المآثر عفوا ، وقطنت بين أطناب بيوتهم سهوا رهوا ، وهكذا يكون كلّ شيء تولّاه اللّه بتوفيقه ، وساقه إلى أهله بتأييده ، وحلى مستحقّيه باختياره ، ولا غالب لأمر اللّه ، ولا مبدّل لحكم اللّه ، ولذلك قال اللّه تعالى :
قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
[ آل عمران : 26 ] . وللّه في خلقه أسرار ، تتصرّف بها دوائر الليل والنهار ، وتذلّلها مجاري الأقدار ، حتى ينتهى بمحبوبها ومكروهها إلى القرار . عزّ إلها معبودا ، وجلّ ربّا محمودا مقصودا . وبعد ، فالّذي لا شكّ فيه من وصف العرب ، ولا جاحد له من حالها ، أنه ليس على وجه الأرض جيل من الناس ينزلون القفر ، وينتجعون السحاب والقطر ، ويعالجون الإبل والخيل والغنم وغيرها ، ويستبدّون في مصالحهم بكلّ ما عزّ وهان ، وبكلّ ما قلّ وكثر ، وبكل ما سهل وعسر ، ويرجون الخير من السماء في صوبها ، ومن الأرض في نباتها ، مع مراعاة الأوان بعد الأوان ، وثقة بالحال بعد الحال وتبصرة فيما يفعل ويجتنب ، ما للعرب فيما قدّمنا وصفه ، وكرّرنا شرحه من علمهم بالخصب والجدب ، واللّين والقسوة ، والحرّ والبرد ،
هامش
( 1 ) أي الأمطار . ( 2 ) المصاب : المقصد . وأرفغ : وسّع . ( 3 ) أي الديات . ( 4 ) أي دعا بعضهم بعضا إلى الطعام دعوة عامة لا تخصيص لها . ( 5 ) الدعوة الخاصة .