تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 74

مساهمون:

ص٧٤
أمثلتها ، والمساواة التي لا تجحد في أبنيتها ، وإذا شئت أن تعرف حقيقة هذا القول ، وصحّة هذا الحكم ، فالحظ عرض اللّغات الّذي هو بين أشدّها تلابسا وتداخلا ، وترادفا وتعاظلا وتعسّرا وتعوّصا ، وإلى ما بعدها ممّا هو أسلس حروفا ، وأرقّ لفظا ، وأخفّ اسما ، وألطف أوزانا ، وأحضر عيانا ، وأحلى مخرجا وأجلى منهجا وأعلى مدرجا ، وأعدل عدلا ، وأوضح فضلا ، وأصحّ وصلا إلى أن تنزل إلى لغة بعد لغة ، ثم تنتهي إلى العربية ، فإنّك تحكم بأن المبدأ الذي أشرنا إليه في العوائص والإغماض ، سرى قليلا قليلا حتى وقف على العربية في الإفصاح والإيماض . وهذا شيء يجده كلّ من كان صحيح البنية ، بريئا من الآفة ، متنزّها عن الهوى والعصبيّة ، محبا للإنصاف في الخصومة ، متحرّيا للحقّ في الحكومة ، غير مسترقّ بالتقليد ، ولا مخدوع بالإلف ، ولا مسخّر بالعادة . وإنّي لأعجب كثيرا ممّن يرجع إلى فضل واسع ، وعلم جامع ، وعقل سديد ، وأدب كثير ، إذا أبى هذا الذي وصفته ، وأنكر ما ذكرته ، وأعجب أيضا فضل عجب من الجيهانيّ في كتابه وهو يسبّ العرب ، ويتناول أعراضها ويحطّ من أقدارها ، ويقول : يأكلون اليرابيع والضّباب والجرذان والحيّات ويتغاورون ويتساورون ، ويتهاجون ويتفاحشون ، وكأنّهم قد سلخوا من فضائل البشر ، ولبسوا أهب الخنازير . قال : ولهذا كان كسرى يسمّي ملك العرب : « سكان شاه » ، أي ملك الكلاب . قال : وهذا لشدّة شبههم بالكلاب وجرائها ، والذئاب وأطلائها « 1 » ، وكلاما كثيرا من هذا الصّوب أرفع قدره عن مثله ، وإن كان يضع من نفسه بفضل قوله . أتراه لا يعلم لو نزل ذلك القفر وتلك الجزيرة وذلك المكان الخاوي وتلك الفيافي والموامي ، كلّ كسرى كان في الفرس ، وكلّ قيصر كان في الروم ، وكلّ بلهور كان بالهند ، وكلّ بغفور كان بخراسان ، وكلّ خاقان كان بالتّرك وكلّ أخشاد كان بفرغانة وكلّ صبهبذ كان من أسكنان وأردوان ، ما كانوا يعدون هذه الأحوال ، لأنّ من جاع أكل ما وجد ، وطعم ما لحق ، وشرب ما قدر عليه ، حبّا للحياة ، وطلبا للبقاء ، وجزعا من الموت ، وهربا من الفناء . أترى أنوشروان إذا وقع إلى فيافي بني أسد وبرّ ( وبار ) وسفوح طيبة ، ورمل يبرين وساحة هبير ، وجاع وعطش وعري ، أما كان يأكل اليربوع والجرذان ، وما كان يشرب بول الجمل وماء البئر ، وما أسن في تلك الوهدات ؟ أو ما كان يلبس البرجد والخميصة والسّمل من الثياب وما هو دونه وأخشن ؟ بلى واللّه ، ويأكل حشرات الأرض ونبات الجبال ، وكلّ ما حمض ومرّ ، وخبث وضرّ ، هذا جهل من قائله ، وحيف من منتحله ، على أن العرب - رحمك اللّه - أحسن الناس حالا
هامش
( 1 ) أي أولادها .
الإمتاع والمؤانسة — صفحة 74 | أبي حيان علي بن محمد التوحيدي / هيثم خليفة الطعيمي