تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 73

مساهمون:

ص٧٣
إلى شيء معتاد في بيت بيت ، إلى شيء خاصّ بشخص شخص وإنسان إنسان ، وهذا التحوّل من أمّة إلى أمّة ، يشير إلى فيض جود اللّه تعالى على جميع بريّته وخليقته بحسب استجابتهم لقبوله ، واستعدادهم على تطاول الدهر في نيل ذلك من فضله ومن رقي إلى هذه الرّبوة بعين لا قذىّ بها ، أبصر الحقّ عيانا بلا مرية ، وأخبر عنه بلا فرية ، ومتى صدق نظرك في مبادئ الأحوال وأوائل الأمور وضح لك هذا كلّه كالنهار إذا متع « 1 » ، واستنار كالقمر إذا طلع ، ولم يبق حينئذ ريب في عرفان الحقّ وحصول الصواب ، إلّا ما يلتاث بالهوى ، ويسمج بالتعصّب ، ويجلب اللّجاج ، ويخرج إلى المحك « 2 » ، فهناك يطيح المعنى ويضلّ المراد . فإذا آثرت أن تعرف صحة هذا الحكم وصواب هذا الرأي ، فاسمع ما أرويه ، قال إسحاق بن إبراهيم الموصليّ : انصرف العبّاس بن مرداس السّلميّ من مكّة فقال : « يا بني سليم ، إني رأيت أمرا ، وسيكون خيرا ، رأيت بني عبد المطلب كأنّ قدودهم الرّماح الرّدينيّة ، وكأن وجوههم بدور الدّجنّة وكأن عمائمهم فوق الرجال ألوية ، وكأنّ منطقهم مطر الوبل على المحل ، وإن اللّه إذا أراد ثمرا غرس له غرسا ، وإنّ أولئك غرس اللّه ، فترقّبوا ثمرته وتوكّفوا غيثه ، وتفيّئوا ظلاله ، واستبشروا بنعمة اللّه عليكم به » . ولقد قرع العبّاس بهذا الكلام باب الغيب ، وشعر بالمستور ، وأحسّ بالخافي ، واطّلع عقله على المستتر ، واهتدى بلطف هاجسه إلى الأمر المزمع ، والحادث المتوقّع ، وهذا شيء فاش في العرب ، لطول وحدتها ، وصفاء فكرتها ، وجودة بنيتها واعتدال هيئتها ، وصحّة فطرتها ، وخلاء ذرعها ، واتّقاد طبعها ، وسعة لغتها وتصاريف كلامها في أسمائها وأفعالها وحروفها ، وجولانها في اشتقاقاتها ، ومآخذها البديعة في استعاراتها ، وغرائب تصرّفها في اختصاراتها ، ولطف كناياتها في مقابلة تصريحاتها ، وفنون تبحبحها في أكناف مقاصدها ، وعجيب مقاربتها في حركات لفظها ، وهذا وأضعافه مسلّم لهم ، وموفّر عليهم ، ومعروف فيهم ومنسوب إليهم ، مع الشجاعة والنّجدة والذّمام والضّيافة والفطنة والخطابة والحميّة والأنفة والحفاظ والوفاء ، والبذل والسّخاء ، والتّهالك في حبّ الثناء والنّكل الشديد عن الذم والهجاء ، إلى غير ذلك ممّا خصّت به في جاهليّتها قبل الإسلام ، ممّا لا سبيل إلى دفعه وجحوده ، والبهت فيه ، والمكابرة عليه ، وقد سمعنا لغات كثيرة - وإن لم نستوعبها - من جميع الأمم ، كلغة أصحابنا العجم والروم والهند والترك وخوارزم وصقلاب وأندلس والزّنج ، فما وجدنا لشيء من هذه اللغات نصوع العربيّة ، أعني الفرج التي في كلماتها ، والفضاء الذي نجده بين حروفها ، والمسافة الّتي بين مخارجها ، والمعادلة التي نذوقها في
هامش
( 1 ) أي ارتفع وبلغ غاية ارتفاعه قبل الزوال . ( 2 ) أي المنازعة والتمادي في اللجاج .