تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 72

مساهمون:

ص٧٢
أمّة فضائل ورذائل ولكلّ قوم محاسن ومساو ، ولكلّ طائفة من الناس في صناعتها وحلّها وعقدها كمال وتقصير ، وهذا يقضي بأنّ الخيرات والفضائل والشرور والنقائص مفاضة على جميع الخلق ، مفضوضة بين كلّهم . فللفرس السياسة والآداب والحدود والرسوم ، وللرّوم العلم والحكمة ، وللهند الفكر والرويّة والخفّة والسّحر والأناة ، وللتّرك الشجاعة والإقدام ، وللزّنج الصبر والكدّ والفرح ، وللعرب النّجدة والقرى والوفاء والبلاء والجود والذّمام والخطابة والبيان . ثم إنّ هذه الفضائل المذكورة ، في هذه الأمم المشهورة ، ليست لكلّ واحد من أفرادها ، بل هي الشائعة بينها ، ثم في جملتها من هو عار من جميعها ، وموسوم بأضدادها ، يعني أنه لا تخلو الفرس من جاهل بالسياسة ، خال من الأدب ، داخل في الرّعاع والهمج ، وكذلك العرب لا تخلو من جبان جاهل طيّاش بخيل عييّ وكذلك الهند والرّوم وغيرهم ، فعلى هذا إذا قوبل أهل الفضل والكمال من الرّوم بأهل الفضل والكمال من الفرس ، تلاقوا على صراط مستقيم ، ولم يكن بينهم تفاوت إلّا في مقادير الفضل وحدود الكمال ، وتلك لا تخصّ بل تلمّ . وكذلك إذا قوبل أهل النقص والرذيلة من أمّة بأهل النقص والخساسة من أمّة أخرى ، تلاقوا على نهج واحد ، ولم يقع بينهم تفاوت إلّا في الأقدار والحدود ، وتلك لا يلتفت إليها ، ولا يعار « 1 » عليها ، فقد بان بهذا الكشف أنّ الأمم كلّها تقاسمت الفضائل والنقائص باضطرار الفطرة ، واختيار الفكرة . ولم يكن بعد ذلك إلّا ما يتنازعه الناس بينهم بالنسبة الترابيّة ، والعادة المنشئيّة والهوى الغالب من النّفس الغضبيّة ، والنّزاع الهائج من القوّة الشهويّة . وهاهنا شيء آخر ، وهو أصل كبير لا يجوز أن يخلو كلامنا من الدلالة عليه والإيماء إليه ، وهو أنّ كلّ أمّة لها زمان على ضدها ، وهذا بيّن مكشوف إذا أرسلت وهمك في دولة يونان والإسكندر ، لمّا غلب وساس وملك ورأس وفتق ورتق ورسم ودبّر وأمر ، وحثّ وزجر ، ومحا وسطّر ، وفعل وأخبر ، وكذلك إذا عطفت إلى حديث كسرى أنو شروان وجدت هذه الأحوال بأعيانها ، وإن كانت في غلف غير غلف الأوّل ، ومعارض غير معارض المتقدّم ، ولهذا قال أبو مسلم صاحب الدولة حين قيل له : أي الناس وجدتهم أشجع ؟ فقال : كل قوم في إقبال دولتهم شجعان . وقد صدق ، وعلى هذا كلّ أمّة في مبدأ سعادتها أفضل وأنجد وأشجع وأمجد وأسخى وأجود وأخطب وأنطق وأرأى وأصدق ، وهذا الاعتبار ينساق من شيء عامّ لجميع الأمم ، إلى شيء شامل لأمّة أمة إلى شيء حاو لطائفة ، إلى شيء غالب على قبيلة قبيلة ،
هامش
( 1 ) أي يعاب .
الإمتاع والمؤانسة — صفحة 72 | أبي حيان علي بن محمد التوحيدي / هيثم خليفة الطعيمي