تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 66

مساهمون:

ص٦٦
الغالبة ، والموالاة المقبولة في السّمع ، الخالبة للقلب العابثة بالروح ، الزائدة في العقل ، المشعلة للقريحة ، الموقوفة على فضل الأدب ، الدالّة على غزارة المغترف ، النائية عن عادة كثير من السلف والخلف ، وابن عبّاد بلي في هذه الصناعة بأشياء كلّها عليه لا له ، وخاذلته لا ناصرته ، ومسلمته لا منقذته ، فأوّل ما بلي به أنّه فقد الطبع ، وهو العمود ، والثاني العادة وهي المؤاتية ، والثالث الشغف بالجاسي « 1 » من اللفظ وهو الاختيار الرديء ، والرابع تتبّع الوحشيّ ، وهو الضلال المبين ، والخامس الذّهاب مع اللفظ دون المعنى ، والسادس استكراه المقصود من المعنى ، واللفظ على النّبوة ، والسابع التعاظل المجهول بالاعتراض ، والثامن إلف الرسوم الفاسدة من غير تصفّح ولا فحص ، والتاسع قلة الاتعاظ بما كان - للثقة الواقعة في النفس - من الفائت ، والعاشر تنفيق المتاع بالاقتدار في سوق العزّ ، وهذه كلّها سبل الضلالة ، وطرق الجهالة . قال : وليس شيء أنفع للمنشئ من سوء الظنّ بنفسه ، والرجوع إلى غيره وإن كان دونه في الدرجة وليس في الدنيا محسوب إلا وهو محتاج إلى تثقيف ، والمستعين أحزم من المستبدّ ، ومن تفرّد لم يكمل ، ومن شاور لم ينقص ، وقد يستعجم المعنى كما يستعجم اللفظ ، ويشرد اللفظ كما يندّ المعنى ، وينتثر النظم كما ينتظم النثر وينحل المعقّد كما يعقّد المنحلّ . والمدار على اجتلاب الحلاوة المذوقة بالطبع ، واجتناب النّبوة الممجوجة بالسمع ، والقريحة الصافية قد تكدر ، والقريحة الكدرة قد تصفو ، وشرّ آفات البلاغة الاستكراه ، وأنصح نصائحها الرضا بالعفو . وقال : كان ابن المقفّع يقف قلمه كثيرا ، فقيل له في ذلك ، فقال : إنّ الكلام يزدحم في صدري فيقف قلمي لأتخيّره . والكتاب يتصفّح أكثر من تصفّح الخطاب ، لأن الكاتب مختار والمخاطب مضطرّ ، ومن يرد عليه كتابك فليس يعلم أسرعت فيه أم أبطأت وإنّما ينظر أصبت فيه أم أخطأت ، وأحسنت أم أسأت ، فإبطاؤك غير إصابتك كما أنّ إسراعك غير معفّ على غلطك . قال : هذا كله مفيد فأين هو من غيره من أصحابنا ؟ قلت : في الجملة هو أبلغ من ابن يوسف ، وأغزر وأحفظ وأروى وأجمّ ركيّة ، وأعذب موردا ، وأبعد من التفاوت ، وليس ابن يوسف من ابن عبّاد في شيء . فأما ابن العميد فإني سمعت ابن الجمل يقول : سمعت ابن ثوابة يقول : أوّل من أفسد الكلام أبو الفضل ، لأنه تخيّل مذهب الجاحظ وظنّ أنّه إن تبعه لحقه ، وإن تلاه أدركه ، فوقع بعيدا من الجاحظ ، قريبا من نفسه ، ألا يعلم أبو الفضل أنّ مذهب
هامش
( 1 ) أي الجاف الصلب .