تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 65

مساهمون:

ص٦٥
في إيراده ، هزيمته قبل هجومه . وإحجامه أظهر من إقدامه . وقال الصابي : هو مجتهد غير موفّق ، وفاضل غير منطّق ولو خطا كان أسرع له ، كما أنّه لمّا عدا كان أبطأ عليه ، وطباع الجبليّ مخالف لطباع العراقيّ ، يثب مقاربا فيقع بعيدا ، ويتطاول صاعدا فيتقاعس قعيدا . وقال عليّ بن جعفر : ممّ كانت الطبائع ! هو يكذب نفسه بحسن الظنّ في البلاغة ، وطباعه تصدق عنه بالتخلّف ، فهو يشين اللفظ ويحيل المعنى ، فأما شينه اللفظ فبالجفوة والغلظة والإخلال والفجاجة ، وأمّا إحالته فبالإبعاد عن حومة القصد والإرادة ، والعجب أنه يحفظ الطّمّ والرّمّ « 1 » من النثر والنظم ، ثم إذا ادّعاهما يقع دونهما سقوطا ، أو يتجاوزهما فروطا ، هذا مع الكبر الممقوت والتشيّع الظاهر ، والدعوى العارية من البيّنة العادلة . وأما أحسن ما كتب به أحمد بن إسماعيل بن الخطيب إلى آخر : الكبر - أعزّك اللّه - معرض يستوي فيه النّبيه ذكرا ، والخامل قدرا ، ليس أمامه حاجب يمنعه ، ولا دونه حاجز يحظره ، والناس أشدّ تحفّظا على الرئيس المحظوظ ، وأكثر اجتلاء لأفعاله ، وتتبّعا لمعايبه ، وتصفّحا لأخلاقه ، وتنقيرا عن خصاله منهم عن خامل لا يعبأ به ، وساقط لا يكترث له ، فيسير عيب الجليل يقدح فيه ، وصغير الذنب يكبر منه ، وقليل الذمّ يسرع إليه ، ولابن هند وفي هذا المعنى :
العيب في الرجل المذكور مذكور * والعيب في الخامل المستور مستور كفوفة الظّفر تخفى من مهانتها * ومثلها في سواد العين مشهور
وقال الزّهيري : قد نجم بأصبهان ابن لعبّاد في غاية الرقاعة والوقاحة والخلاعة وإن كان له يوم ، فسيشقى به قوم . سمعته يقول هذا سنة اثنتين وخمسين في مجلس من الفقهاء . وقال ابن حبيب : قال بعض الحكماء : إن للنفس أمراضا كأمراض البدن إلا أن فضل أمراض النفس على أمراض البدن في الشرّ والضرر كفضل النفس على البدن في الخير ، وصاحبنا - يعني ابن عبّاد - مريض عندنا ، صحيح عند نفسه ، زيف بنقدنا ، جيّد بنقده ، ولو قامت السّوق على ساقها ، وتناصف المتعاملون فيها ، ولم يقع إكراه في أخذ ولا إعطاء ، عرف البهرج « 2 » الذي ضرب خارج الدار والجيّد الذي ضرب داخل الدار . وقال أحمد بن محمد : إذا أنصفنا التزمنا مزيّة العراقيّين علينا بالطبع اللطيف والمأخذ القريب ، والسّجع الملائم ، واللفظ المونق ، والتأليف الحلو ، والسّبوطة
هامش
( 1 ) أي العدد الكثير . ( 2 ) أي الرديء .
الإمتاع والمؤانسة — صفحة 65 | أبي حيان علي بن محمد التوحيدي / هيثم خليفة الطعيمي