تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 68

مساهمون:

ص٦٨

الليلة الخامسة

قال لي ليلة أخرى : ألا تتمّم ما كنّا به بدأنا . قلت : بلى . فأما أبو إسحاق فإنّه أحبّ الناس للطريقة المستقيمة ، وأمضاهم على المحجّة الوسطى ، وإنما ينقم عليه قلّة نصيبه من النحو ، وليس ابن عبّاد في النحو بذاك ، ولا كان أيضا ابن العميد إلّا ضعيفا ، وكان يذهب عنه الشيء اليسير . وأبو إسحاق معانيه فلسفيّة ، وطباعه عراقيّة ، وعادته محمودة ، لا يثب ولا يرسب ، ولا يكلّ ولا يكهم « 1 » ، ولا يلتفت وهو متوجّه ، ولا يتوجّه وهو ملتفت . وقال لنا : إمامي ابن عبد كان ، وهو قد أوفى عليه ، وإن كان احتذى على مثاله ، وفنونه أكثر ، ومأخذه أخفى ، وخاطره أوقد ، وناظره أنقد ، وروضه أنضر ، وسراجه أزهر ، ويزيد على كلّ من تقدّم بالكتاب « التاجيّ » ، فإنه أبان عن أمور وكنى في مواضع ، وشنّ الغارة في الصبح المنير مع الرّعيل الأوّل ، ودلّ على التفلسف ، وعلى الاطلاع على حقائق السياسة ولو لم يكن له غيره لكان به أعرق الناس في الخطابة ، وأعرق الكتّاب في الكتابة ، هذا ونظمه منثورة ، ومنثوره منظومه ، إنّما هو ذهب إبريز كيفما سبك فهو واحد ، وإنما يختلف بما يصاغ منه ويشكّل عليه ، هذا مع الظّرف الناصع والتواضع الحسن ، واللّهجة اللطيفة ، والخلق الدّمث ، والمعرفة بالزمان ، والخبرة بأصناف الناس ، وله فنون من الكلام ما سبقه إليها أحد ، وما ماثله فيها إنسان . وإنّي لأرحم من لا يسلّم له هذا الوصف ، لأنّه إمّا أن يكون جاهلا ، وإما عالما ، فإن كان جاهلا فهو معذور ، وإن كان عالما فهو ملوم ، لأنه يدل من نفسه - بدفع ما يعلمه - على حسده ، والحاسد مهين . قال : هل كان في زمان هؤلاء من يلحق بهم ، ويدخل في زمرتهم ؟ قلت : نعم ، أبو طالب الجرّاحي من آل علي بن عيسى كتب للمرزبان ملك الدّيلم بعد ما انتجع فناء ابن العميد أبي الفضل ، فحسده وطرده ، وعضّ بعد ذلك على ناجذه ندما على سوء فعله ، ولقي منه أبو طالب الأمرّين ، ورسائله مبثوثة . وأبو الحسن الفلكيّ ، وكان من أهل البصرة ، ووقع إلى المراغة ونواحيها وهو حسن الدّيباجة ، رقيق حواشي اللّفظ ، وهو أحدّهم غربا ، وأغزرهم سكبا ، وأبعدهم مناخا وأعذبهم نقاخا « 2 » ، وأعطفهم للأوّل على الآخر وأنشرهم للباطن من الظاهر . وقرأت له :
هامش
( 1 ) أي يضعف . ( 2 ) أي الماء البارد العذب .