تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 64

مساهمون:

ص٦٤
فقد يجد الإنسان الرّمص في عينه فينحّيه ، ويبتلى بالبرص في بدنه فيخفيه . وقد أفسده أيضا ثقة صاحبه به ، وتعويله عليه ، وقلّة سماعه من الناصح فيه ، فعذر بازدهاء المال والعلم والاقتدار والأمر والكفاية وطاعة الرجال وتصديق الجلساء والعادة الغالبة ، وهو في الأصل مجدود « 1 » لا جرم ليس يقلّه مكان دلالا وترفا ، وعجبا وتيها وصلفا ، واندراء « 2 » على الناس ، وازدراء للصغار والكبار ، وجبها للصادر والوارد ، وفي الجملة ، صغار آفاته كبيرة ، وذنوبه جمّة .
ولكنّ الغنى ربّ غفور
قال : ما صدر هذا البيت ؟ فأنشدته الأبيات ، وهي لعروة بن الورد في الجاهليّة ، وكان يقال له عروة الصعاليك ، لأنّه كان يؤويهم ويحسن إليهم كثيرا :
ذريني للغني أسعى فإنّي * رأيت الناس شرّهم الفقير وأبعدهم وأهونهم عليهم * وإن أمسى له حسب وخير ويقصيه النّديّ وتزدريه * حليلته وينهره الصغير وتلقى ذا الغنى وله جلال * يكاد فؤاد صاحبه يطير قليل ذنبه والذنب جمّ * ولكنّ الغنى ربّ غفور
فقال : لا شكّ أنّ المسوّدة جامعة لهذا كلّه . قلت : تلك تجزّع في دست كاغد فرعونيّ . فقال : أجد تحريرها ، وعليّ بها ، ولك الضّمان ألّا يراها إنسان ، ولا يدور بذكرها لسان . قلت : السمع والطاعة . قال : قد تركنا من حديثه ما هو أولى مما مرّ بنا ، كيف بلاغته من بلاغة ابن العميد ؟ وأين طريقته من طريقة ابن يوسف والصابي ؟ قلت : قد سألت جماعة عن هذا ، فأجابني كل واحد بجواب إذا حكيته عنه كان ما يقال فيه ألصق ، وكنت من الحكم عليه وله أبعد . قال : صف هذا . قلت : سألت ابن عبيد الكاتب عن ابن عبّاد في كتابته فقال : يرتفع عن المتعلّمين فيها بدرجة أو بدرجتين . وقال عليّ بن القاسم : هو مجنون الكلام ، تارة تبدو لك منه بلاغة قسّ ، وتارة يلقاك بعيّ بأقل ، تحريف كثير في المعاني ، وإحالة في الوضع ، وغلط في السّجع ، وشرود عن الطبع . وقال ابن المرزبان : هو كثير السرقة ، سيّئ الإنفاق ، رديء القلب والعكس ، فروقة « 3 »
هامش
( 1 ) أي محظوظ . ( 2 ) أي اندفاع وتهجم . ( 3 ) أي الفزع .