ومن طباعه الترضّي والبصبصة والهشاشة لمن عرفه .
ليس في الحيوان أشدّ حبا لصاحبه منه ، فإن أشار له على صيد وثب ناصبا رأسه رافعا ذنبه مستعدّا كالفارس البطل والشجاع النّجد ، مع نشاطه في الطلب وهو يعلم أن الصيد ليس بحاضر ، لكنّ ذلك منه حسن طاعة .
فأما حب بعض جراء الكلاب لبعض إذا كان أخاه لأمّ ولأب فمما قد عهد وشوهد ، وذلك أنه حيث كان يطرح لها الطعام في الوسط ، فلا يخطف واحد منها ذلك ، لكنها تتعاطاه بينها بسكون وتمكين بعضها لبعض ، غير مستأثرة به ولا محاربة عليه .
الفرس من طباعه الزّهو والحرارة وشهوة الإناث للسّفاد . وإن وطئ الفرس أثر وطء الذئب ارتعد وخرج الدخان من جسده كلّه .
الذئب إذا رأى الإنسان مبطئا خطوه وهو ساكن سكت عنه ، فإن رآه خاف وجبن اجترأ وحمل عليه وكبسه .
وليس كلّ ذئب يعدو ، ولكن هو الذي يكون ضاريا ، وفيه خلّتان : إحداهما أن يكون منفردا يمشي وحده ، والأخرى حدّة سمعه ، إن خفي عليه مكان الغنم أتى مكانا وعوى صوتين أو ثلاثة ، ثم سكت منصتا لأصوات الكلاب الّتي مع الغنم ونباحها حين سمعت عواءه ، فإذا سمع نباح الكلاب شدّ مسرعا نحوها ، قاصدا إليها ، فإذا قرب من الغنم مال إلى ناحية أخرى خالية من حرس الكلاب فاختطف ما أمكنه خطفه من الغنم .
حمار الوحش إذا ولدت الأنثى الأولاد الذكور جاء الفحل فانتزع خصي تلك الذكور وقطعها بأسنانه لكيلا تصاد أو تشاركه في طروقة ، إلّا أنّ الأنثى ربّما وضعت ولدها في مكان غامض حتى يشتدّ جسمه وتصلب حوافره ، ويقوى بالشدّ على النّجاة من الفحل ، ولهذا السّبب يقلّ منها الفحول .
الحريش دابّة صغيرة في جرم الجدي ساكنة جدا ، غير أن لها من قوّة الجسم وسرعة الحضر ما يعجز القنّاص عنها ، ثم لها في وسط رأسها قرن واحد منتصب مستقيم ، به تناطح جميع الحيوان فلا يغلبها شيء .
احتل لصيدها بأن تعرض لها فتاة عذراء وضيئة ، فإذا رأتها وثبت إلى حجرها كأنّها تريد الرضاع ، وهذه محبّة فيها طبيعية ثابتة ، فإذا هي صارت في حجر الفتاة أرضعتها من ثديها على غير حضور اللّبن فيها حتى تصير كالنّشوان من الخمر والوسنان من النوم ، فيأتيها القنّاص على تلك الحال فيشدّ من وثاقها على سكون منها بهذه الحيلة .
الأيّل عدوّ الحيّات إن قربت منه حيّة فانجحرت في صدع صفا ملاء الأيّل فاه من الغدير أو من حيث وجد فدفعه في ذلك الصّدع ، ثم اجتذب الحيّة إليه بالقوّة حتى
الإمتاع والمؤانسة — صفحة 131
مساهمون: أبي حيان علي بن محمد التوحيدي
ص١٣١